النهضة العربية: النسخة الثانية

تم نشره الخميس 20 تشرين الأوّل / أكتوبر 2016 12:58 صباحاً
النهضة العربية: النسخة الثانية
موسى شتيوي

كتبت قبل أسابيع حول النهضة العربية وما تمثله الأسس والمبادئ التي استندت إليها في بناء الدولة العربية الحديثة. ومناسبة الحديث مجدداً هو الورقة النقاشية السادسة التي طرح فيها جلالة الملك رؤيته حول الدولة المدنية. وقد جاءت الرؤية الملكية حول هذا المفهوم تطويراً وتكريساً لفلسفة النهضة العربية ووريثتها الدولة الأردنية.

أهمية ما طرحته الورقة بهذا الخصوص لا تكمن فقط في التشخيص والمحتوى؛ وإنما أيضاً في التوقيت.

كان من أهم نتائج "الربيع العربي"، وبخاصة بعد وصول حركات الإسلام السياسي الى الحكم في مصر وتونس، هو الجدل الذي اندلع حول "هوية الدولة"، ولاسيما العلاقة بين الدين والسياسة؛ هذا النقاش الذي اندلع وطنياً في الأسابيع الماضية، وشهدنا من خلاله تجاذباً بين التيار الذي ينادي بمدنية الدولة والآخر الذي يريد أن يضفي عليها طابعاً دينياً أكثر. وقد جاءت الورقة الملكية لتضع حداً للتجاذب حول الموضوع، وتؤطر النقاش وهوية الدولة الأردنية.

مفهوم الدولة الحديثة "الأمة-الدولة" (Nation-State) هو وليد التجربة الأوروبية أو الغربية عموماً. أما عربياً، فمفهوم الدولة يعود للدولة التقليدية التاريخية التي تختلف عن مفهوم الدولة الحديثة. لذلك، فتجربة بناء الدولة القُطرية في مرحلة ما بعد الاستعمار واجهت تحديات وصعوبات كبيرة جداً لم تستطع العديد منها تخطيها، وأصبحت العديد من هذه الدول دولاً "فاشلة" وإن كان بدرجات متفاوتة، ما تمخض عنه الانهيارات والحروب التي أدت إلى تشظي العديد منها.

لأي دولة حديثة، فإن التحدي الأول الذي يواجهها هو مشروعية الحكم الذي كان مفقوداً لدى العديد من الدول العربية التي جاءت قياداتها، بشكل أساس، من خلال الانقلابات العسكرية، واستمرت بالحكم من خلال استخدام القوة الفظة التي أدت بالنهاية إلى الانكسارات التي شهدتها هذه الدول.

التحدي الثاني كان يكمن في رفض فكرة الدولة القُطرية التي قامت على أساسها الدولة الحديثة عالمياً. وبدلاً من ذلك، تم استخدام مفهوم الأمة العربية هدفاً لإقامة الدولة الحديثة من قبل الأيديولوجيات القومية، وأصبح تحقيق الدولة العربية هدفاً معلناً، وتم تبرير استخدام القوة أو دعم انقلابات عسكرية لمؤيدي تلك التيارات لتحقيق ذلك.

كذلك الحال بالنسبة لتيارات الإسلام السياسي، فقد كانت رافضة لمفهوم الدولة الوطنية (القُطرية)، وكان المفهوم الذي تبنته هذه التيارات هو أمة المؤمنين أو المسلمين العابر للحدود القُطرية. فالهدف النهائي للدولة هو إقامة دولة الخلافة، كما كان سائداً في فترات زمنية سابقة. وعليه، فإن نظام الدولة الحديثة والقُطرية لم يكن مقبولاً كحالة نهائية بل مرحلية.

أما التحدي الثالث، فيكمن في الديمقراطية التي كانت مرفوضة من قبل التيار القومي والديني، لأسباب مختلفة، لكنّ كلا التيارين اعتبرها منتجا غربيا مرفوضا على أسس قومية ودينية. وكانت النتيجة فشل هذين التيارين في إدارة التنوع القومي والإثني (بالنسبة للأيديولوجيا القومية) والتنوع الديني (بالنسبة للأيديولوجيا المستندة للدين). وفي التجربة الفعلية، أدت إلى أشكال مختلفة من الإقصاء والاضطهاد. وكانت الدول التي لم تتبن إحدى هذه الأيديولوجيات واهتمت ببناء الدولة القُطرية أو الوطنية، أكثر نجاحاً في التعامل مع هذه التحديات، واستطاعت أن تجنب دولها وشعوبها الكثير من المصائب والعثرات.

التجربة الأردنية، المبنية على الأسس والمبادئ التي قامت عليها النهضة العربية، كانت منذ البداية "أنموذجاً" لدولة عربية حديثة؛ إذ إنها قامت على المشروعية الدينية والقومية معاً، ومن ثم كان الموروث الإسلامي الحضاري مرجعية قيمية وأخلاقية للدولة، وكان حاضراً في دستورها، ولكنها كانت أيضاً قائمة على أسس الدولة الحديثة من خلال تبني الديمقراطية والمشاركة السياسية، واحترام التنوع بأشكاله المختلفة من خلال دستور ينظم هذه العلاقة. فالدولة الأردنية كانت مدنية منذ بدايتها. وتبني الأردنيين للنهضة العربية والدفاع عنها أدى إلى توحد الهوية الأردنية والهاشمية في هوية واحدة. وعليه، تميزت الدولة الأردنية بمشروعية مكّنتها من تجاوز كل التحديات التي واجهها الأردن.

الأوراق الملكية النقاشية الست تؤسس نظرياً لنقلة نوعية في الحياة السياسية في الأردن، وتضعها في مصاف الدول الديمقراطية المتقدمة في حال ترجمتها عملياً. كذلك، يمكن اعتبار الأفكار التي طرحت في الأوراق النقاشية الملكية النسخة الثانية للنهضة العربية. وهذا يحتاج لمشروع وطني نهضوي جديد، يُشارك الجميع في تطويره وتبنيه.

(الغد2016-10-20)