ضـرب «الأونروا» ليس قضية هامشية

تم نشره الأحد 28 كانون الثّاني / يناير 2018 12:18 صباحاً
ضـرب «الأونروا» ليس قضية هامشية
ياسر الزعاترة

من الواضح أن التعاطي الفلسطيني والعربي الرسمي مع قرار الرئيس الأمريكي ترامب، بتخفيض مساهمة بلاده في موازنة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لم يرتق إلى المستوى الذي تستدعيه حساسية القضية.
وقد يبرر البعض ذلك بأولوية الاهتمام بقضية القدس التي استهدفها ترامب، لكن واقع الحال يقول إن القضيتين تتكاملان، فاستهداف القدس يكمّل مشروع تصفية القضية، بجانب قضية اللاجئين.
(الأنروا) ليست مجرد بضع عشرات من ملايين الدولارات تتدفق على اللاجئين الفلسطينيين، مع العلم أن نصف ميزانيتها تذهب لإدارتها الأجنبية، إذ لن يموت الفلسطينيون جوعا إذا توقفت عن العمل، بل هي عنوان بالغ الأهمية من عناوين القضية، بل عنوانها الأبرز، إذ إن جوهر القضية هي احتلال أرض وتشريد شعبها، وضرب (الأونروا) يعني ضرب البعد الرمزي لقضية اللاجئين، وصولا إلى تغييبها بالكامل.
ليس سرا أن استهداف (الأونروا) كان يجري على قدم وساق منذ عقود؛ من قبل أمريكا وبعض الأوروبيين، وبتواطؤ من الأمم المتحدة أيضا، لكن بقاءها في الحد الأدنى ظل تأكيدا على مسألة اللاجئين وحضورها في صلب القضية الفلسطينية.
هذا البعد هو الذي يفسّر ذلك الاحتفال الكبير بقرار ترامب من قبل الأوساط الصهيونية، ذلك أن شطب قضية اللاجئين كان على الدوام جزءا من البرنامج الصهيوني، وكان لافتا أن قدرا من التواطؤ العربي قد تم على هذا الصعيد، وما حديث المبادرة العربية عن “حل متفق عليه” بشأن قضية اللاجئين، سوى تأكيد على ذلك، ودعك من بعض التصريحات البائسة حول ارتياح اللاجئين في الأماكن التي يتواجدون فيها، والتي تورط فيها بعض قادة السلطة مرارا.
حتى الآن، لم ترتق ردة الفعل الفلسطينية الرسمية على قرار ترامب، ولا ردة الفعل العربية أيضا إلى مستوى التحدي الذي تطرحه الخطوة، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل ولا على الصعيد المالي أيضا، إذ لم يخرج أي مسؤول عربي كي يؤكد على أن الدول العربية ستعوّض المبلغ (وحدها بلجيكا للمفارقة هي من فعل بالتبرع بـ23 مليون دولار)، ولم تقم السلطة بدعوة المؤسسات العربية إلى مناقشة الأمر، كما فعلت حيال قضية القدس.
على أن الذي لم ينصر قضية القدس على النحو المطلوب، لن يبادر إلى نصرة قضية اللاجئين، وهي التي لم تكن أبدا سببا في إفشال المفاوضات مع الصهاينة، لا قبل قمة كامب ديفيد عام 2000، ولا بعدها.
والحال أن نصرة القضيتين لن تتم إلا وفق مسار واحد، إلا وهو تصعيد المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بانتفاضة شاملة، وما عدا ذلك هو محض بث للوهم لا أكثر، حتى لو كانت له قيمة ما، مثل اللجوء إلى المؤسسات الدولية.
وحدها المقاومة، وجعل الاحتلال مكلفا، وتقديم التضحيات هو ما يفرض التراجع على المحتلين، ويفرض أجندة القضية على الرأي العام العالمي، وعلى الدول أيضا، لكن البعض كان ولا يزال يتهرب من هذا المسار؛ لأنه لا يطيق كلفته على الأرجح، حتى لو احتج ببؤس المواقف العربية.

الدستور 2018-01-28