لبنان: الحرب الأهلية لم تضع أوزارها بعد

تم نشره السبت 03rd شباط / فبراير 2018 12:51 صباحاً
لبنان: الحرب الأهلية لم تضع أوزارها بعد
عريب الرنتاوي

بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، لم يفارق شبح هذه الحرب لبنان، وهو يعود للتحويم فوق رؤوس اللبنانيين عند أول خلاف أو حتى «زلة لسان» تصدر عن هذا المسؤول أو ذاك ... الخميس الفائت، بدا أن الحرب الكريهة والمكلفة، تدق الأبواب مجدداً، ومظاهر الحرب الأهلية وطقوسها الدامية، كانت حاضرة بقوة في بلدة «الحدث»، ولو أن «صلية رصاص» واحدة انطلقت من رشاش أحدهم، لكانت بمثابة «بوسطة عين الرمانة» التي أشعلت الحرب الأهلية في العام 1975.
في لحظة واحدة، انقلب المشهد رأساً على عقب، وعاد خطاب الكراهية يهمين على أحاديث المسؤولين وفرسان «السوشيال ميديا»، وبدأت التعديات «على الهوية» في تذكير صاعق، لمسلسل «القتل على الهوية» ... عاد اللبنانيون إلى متاريس طوائفهم ومذاهبهم، انشد العصب المذهبي والديني بصورة مفاجئة وسريعة، وعادت «الهويات القاتلة» تهدد المؤسسات، من الحكومة والبرلمان والانتخابات الوشيكة، إلى الجيش والمؤسسات الأمنية، المتراكبة مذهبياً وطائفياً، والموزعة على خطوط الطوائف والمذاهب.
الاتفاق الأشهر، شيعياً ومسيحياً، «اتفاق مار مخايل» بين حزب الله والتيار الوطني الحر، كاد يسقط ويصبح أثراً بعد عين ... هذه المرة، كان الانقسام شيعياً – مسيحياً، قبل عشر سنوات، وفي أحداث السابع من أيار 2007، عندما فرض حزب الله سيطرته العسكرية التامة على بيروت الغربية، أخذ الانقسام شكلَ احتراب سني – شيعي، لا حدود ولا خطوط حمراء في حروب الجميع ضد الجميع، عندما تقع الواقعة، تسيطر الغرائز وتتحكم بحركة الشارع المنقاد خلف «أمراء الطوائف والحروب» كالقطيع، يغيب العقل ويسقط المنطق والمصلحة العامة، وتصبح الهوية الوطنية الجمعية الجامعة، أول ضحايا حروب الإلغاء والإقصاء.
بدأت القصة في توقيت انتخابي لافت، زعماء المذاهب والطوائف، منهمكون في «تزييت وتشحيم» ماكيناتهم الانتخابية ... القانون الجديد يجعل الانتخابات المقبلة مختلفة بعض الشيء، لا أحد لديه يقين حول حجم حصته المقبلة في برلمان المحاصصة الطائفية والمذهبية ... الجميع بحاجة لشد العصب المذهبي والطائفي، حتى لا يضيع عليه صوت واحد في الانتخابات المقبلة ... جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، يطلق تصريحاً أهوجاً: نبيه بري «بلطجي» وقد آن أوان تكسير رأسه، يرد رئيس مجلس النواب وزعيم أمل، ومعه رهط من الناطقين والمتحدثين «التحية بمثلها» أو بأبشع منها، فجأة ومن دون سابق إنذار، تتحرك الجموع الغاضبة، انتصاراً لكرامة الزعيم، يظهر السلاح الناري والدراجات النارية، تهاجم المكاتب وتتعرض لإطلاق النار، وتستباح مناطق مسيحية في استعراض يشبه عمليات «الغزو» ... هنا، وهنا بالذات، يتجلى نموذج «رد الفعل الأسوأ من الفعل»، هنا يُرد على الخطأ بالخطيئة... هنا تستباح الكرامات والخطوط الحمراء المتداولة وأدبيات الحوار المتفق عليها ... هنا يستباح الدم (مع وقف التنفيذ) ويستباح الأخر في عقر بيته، وبصورة لم يعد معها، التكفير خارج منطق، أو بالأحرى «لا منطق» الحرب الأهلية، أمراً ممكناً.
هنا، والآن، يظهر كم أن أحزاب لبنان «اختزلت» طوائفه وطبقاته وجماهيره، وأن قادة الأحزاب والميليشيات قد اختزلوا في شخوصهم، مصالح طوائفهم وأشواقها وتطلعاتها ... هنا، لا فرق بين كرامة الزعيم وكرامة طائفته ... هنا بالذات، تصبح مصلحة الزعيم وحساباته، هي ذاتها مصلحة الطائفة والطبقة والجماهير، أي مس بها، مسٌ بالطائفة والسلم الأهلي والوحدة الوطنية ... هنا يسقط كل اللغو حول السيادة والهوية والوحدة والمقاومة وفلسطين والقدس، جميعها كلمات فارغة، لا معنى لها، تصدر من أطراف ألسنة المسؤولين وليس من حلوقهم وأجوافهم ... الثابت هنا، هو نظام المحاصصة المخصص لخدمة مصالحة حفنة من الرجال فقط، أما المتغير، فهو ركام الثرثرات والشعارات والعبارات المنمقة ألتي أثقلت مسامع اللبنانيين وصمت آذانهم.
لا يخجل كثيرٌ من الساسة من تبرير ما حصل، تسويقه وتسويغه ... «الطابور الخامس» جاهزٌ على الدوام لتحمل المسؤولية عن الأفعال المشينة للقطعان السائبة ... «إسرائيل» جاهزة كذريعة تصلح لكل استخدام، فهي مسؤولة عن «الطابور الخامس» ومشغلة له، وهي العامل الرئيس وراء التصعيد، والسبب الأهم خلف التهدئة واحتواء الموقف، طالما أنها تتربص بلبنان ونفطه وغازه ومقاومته ... لا بأس أن تستحضر كل الذرائع، المهم ألا يبدو أي من هؤلاء في موقع المنكسر أو المهزوم، وألا يفقد أيٌ منهم ماء وجهه، والأهم ألا تضرر مصالحه ومواقعه ومناطق نفوذه ومجالاته الحيوية، وأن تعاد صياغة معادلة توزيع السلطة والثروة بينهم، وأن تحصن «الخطوط الحمراء» التي رفعت بعضهم من موقع «المسؤول السياسي المنتخب والخاضع للمحاسبة بموجب الدستور»، إلى مراتب «أنصاف الآلهة»... كان الله في عون لبنان، عشتم وعاش لبنان.

الدستور 2018-02-03



مواضيع ساخنة اخرى
العضايلة : الأردن يتطلع لأن يكون مركزا للخدمات اللوجستية لإعادة إعمار سوريا العضايلة : الأردن يتطلع لأن يكون مركزا للخدمات اللوجستية لإعادة إعمار سوريا
النجاح في امتحان الكفاية في اللغة العربية شرطاً للحصول على وظيفة معلم النجاح في امتحان الكفاية في اللغة العربية شرطاً للحصول على وظيفة معلم
العثور على مواد كيماوية متفجرة في احدى المغارات وعمليات التمشيط مستمرة العثور على مواد كيماوية متفجرة في احدى المغارات وعمليات التمشيط مستمرة
حرب الأردن على الإرهاب: المقاربات الأمنية وحدها لا تدحر الفكر المتطرف حرب الأردن على الإرهاب: المقاربات الأمنية وحدها لا تدحر الفكر المتطرف
نيت فلكس تصور أول مسلسل عربي في الاردن نيت فلكس تصور أول مسلسل عربي في الاردن
بالصور- السعودية : حادث سير لحافلة حجاج اردنيين بالصور- السعودية : حادث سير لحافلة حجاج اردنيين
شقيق الشهيد الدماني: كلنا مشاريع شهداء للوطن شقيق الشهيد الدماني: كلنا مشاريع شهداء للوطن
الرزاز :سيبقى الأردن دوماً سيفاً صارماً على عنق الإرهاب الغاشم .. صورة الرزاز :سيبقى الأردن دوماً سيفاً صارماً على عنق الإرهاب الغاشم .. صورة
الشهيد قوقزة توفي قبل ان يرى طفلته الاولى الشهيد قوقزة توفي قبل ان يرى طفلته الاولى
الملكة رانيا : لشهداء الواجب الرحمة الملكة رانيا : لشهداء الواجب الرحمة
تفاصيل رسمية حول عملية السلط الأمنية تفاصيل رسمية حول عملية السلط الأمنية
النسور : الموت للقتلة المجرمين مهما كان انتماؤهم النسور : الموت للقتلة المجرمين مهما كان انتماؤهم
مصدر أمني يعلق على توقيف مذيعة في التلفزيون الأردني مصدر أمني يعلق على توقيف مذيعة في التلفزيون الأردني
بالصور : الرزاز في مجمع الشمال بعمان بالصور : الرزاز في مجمع الشمال بعمان
بدء استقبال طلبات القبول الموحد الاثنين بدء استقبال طلبات القبول الموحد الاثنين
الافتاء :  إطلاق العيارات النارية في المناسبات المختلفة لا يجوز شرعا الافتاء : إطلاق العيارات النارية في المناسبات المختلفة لا يجوز شرعا