انتقال الثروات: هل الفقر مخلد؟

تم نشره الأحد 04 شباط / فبراير 2018 12:36 صباحاً
انتقال الثروات: هل الفقر مخلد؟
د.باسم الطويسي

هناك ظاهرتان سيطرتا على تاريخ نشوء الثروات وتراكمها بين الأمم على مدى القرون الخمسة الاخيرة؛ الأولى أن ثمة مراكز تاريخية ظهرت ثم ازدهرت باعتبارها مراكز للثراء ويبدو ذلك على شكل دول ومدن أو أحيانا أحياء في مدن. وحافظت هذه المراكز على وجودها التاريخي باعتبارها مراكز لصنع الثروات وتوليدها. صاحَب هذا توزيع اقليمي لخرائط الثراء مقابل خرائط اخرى للفقر، أما الظاهرة الثانية فتبدو في استمرار توريث الثراء عبر الاجيال بين الأسر والعائلات؛  فثمة أسر في طول العالم وعرضه تتمتع بالثراء وترث الثروات وترث أيضا تقاليد الحفاظ على هذه الثروات وتنميتها. 
ما الجديد؟ في آخر عقدين بات الحديث عن تحولات تعصف بتقاليد الثراء تبدو ملامح هذه التحولات ماثلة اليوم اكثر من اي وقت مضى؛ الجديد أن انتشار التعليم والتكنولوجيا في العالم غيّر الكثير من رهانات العولمة التقليدية وفتح الابواب امام ظاهرة جديدة تمنح الفرص أمام رياديين صغار وكبار بدون جذور عائلية في الثراء بأن يكسروا تقاليد جمع الثروات بل ويغيروا في مصادر الثروات واصولها، يحدث ذلك كل يوم في الغرب والشرق، وتفيد التقارير بأن الاغلبية الساحقة من الأثرياء الجدد في العالم في آخر عقدين لا أصول أسرية لديهم في الثراء، وتفيد دراسة حديثة في هذا المجال أن نحو 60 % من الأسر الغنية التقليدية تستنزف جانبا كبيرا من عقاراتها بحلول الجيل الثاني، بينما تفقد 10 في المائة من الأسر ثروتها تماما بحلول الجيل الثالث. أكثر من ذلك فمن الممكن أن تستنزف الثروة سريعا بسبب تراخي الرقابة على هذه الأصول، أو عدم القدرة على مواكبة التحولات الجذرية في طبيعة الاسواق وانماط المنافسة الجديدة .  
في 2008 توقع مایكل ماكدونیل مدیر الاستخبارات الوطنیة الأمیركیة عملیة انتقال لا مثیل لها للثروة والقوة من الغرب الى الشرق، تصحب ذلك حروب أهلیة وانتشار أسلحة الدمار الشامل وموجات عاتیة من الاعتداءات الإرهابیة واستهلاك جائر للموارد الطبیعیة وتفاقم لمشاكل المناخ والبیئة. هذا ما ذهب الیه ايضا التقریر الذي حمل عنوان "الاتجاهات العالمیة  في 2025: العالم المتحوّل" الذي أعده مجلس المخابرات القومي الاميركي  قبل عشر سنوات، وهدف لتحذیر واضعي السیاسات الأمیركیة وعلى رأسهم إدارة باراك اوباما في أیامها الأولى، من العوامل التي من شأنها صوغ الاتجاهات العالمیة الرئیسیة والصراعات الجدیدة في العالم. ترى هل ما یزال هذا المنظور یحمل نفس القوة بعد مرور عقد؟
في العادة حینما یدور الحدیث عن عملیة انتقال للقوة والثروة في العالم، تذهب التوقعات نحو شرق آسیا حیث الصین والهند في المقام الاول، بینما تدخل مجتمعات الشرق الاوسط العربي تضاف إلیها إیران في توقعات انتقال أنماط أخرى من القوة، من قبیل التراكم الریعي للثروات النفطیة، وعادة یخشى أن تصبح هذه الثروات في لحظة ما بأیدي مجموعات إرهابیة أو نظم لا تحسن النیة تجاه الغرب، كما ترتبط الهواجس والمخاوف الاستراتیجیة بأن الثروة قد تولد طموحات بنمط آخر من التسلح في هذا الجزء من العالم یغیر المعادلة التقلیدیة التي أدارت على مدى ستة عقود عجلة المجمع الصناعي العسكري الغربي في صناعة واستهلاك الاسلحة التقلیدیة.
ومن هنا نفهم جانبا من خطاب الرئيس الاميركي دونالد ترامب امام قمة دافوس الاخيرة، وكيف يأخذ العالم وتحديدا دول الجنوب والشرق الاوسط نحو عسكرة جديدة من خلال ازدهار تجارة السلاح التي أخذت منذ العام الماضي تصاعدا غير مسبوق،  ومن المتوقع ان تتجاوز كل التوقعات في السنوات الثلاث القادمة،  وهي الجسر الذي سوف يمنع اي تراكم للثروات في مراكز جديدة. 
يبدو أن فقر الافراد لم يعد مخلدا، بل إن التعليم والتكنولوجيا وذهاب العولمة في عكس ما كان مخططا له تعمل جميعا على تدوير الثروات بين الأفراد وكسر تقاليد الثراء، في المقابل يبدو أن فقر الدول سيبقى ماثلا لفترات طويلة وتحديدا في هذا الجزء من العالم.

الغد 2018-02-04