الحكومة والحراك تحت المجهر!

تم نشره الخميس 15 آذار / مارس 2018 12:26 صباحاً
الحكومة والحراك تحت المجهر!

بيان المركز الوطني لحقوق الانسان الذي صدر أول من أمس، وتناول فيه تطور الاحتجاجات الشعبية بعد القرارات الاقتصادية الأخيرة للحكومة، وما رافقها من توقيفات وانتهاكات وتجاوزات حقوقية سجلت كشكاوى ومتابعات امام المركز، لخّص بموضوعية كبيرة مشهد الحراك الحاصل منذ أسابيع، دون مجاملات للحكومة ولا للحراك الشعبي ذاته، وخلص إلى بعض التوصيات والنصائح المقتضبة لتجاوز ما يعتري هذه المرحلة الصعبة من تحديات خطرة على الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي. 
حاول المركز، وهو أعلى جهة مستقلة لكن بمظلة رسمية قانونية معنية بضمان الالتزام بحقوق الانسان والحريات العامة في المملكة، تقديم توصيف مقتضب وواضح للاجراءات والقرارات الحكومية الاقتصادية الأخيرة، التي تسببت بزيادة الأعباء على كاهل المواطن ومست بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية. لكن البيان ركز أساسا على تداعيات تلك القرارات جماهيريا وما أطلقته من موجة احتجاجات وحراكات، سجلت فيها خروقات قانونية ودستورية واضحة ببعض الشعارات والخطابات السياسية، عدّت شعارات صادمة وغير مألوفة ومثيرة للقلق، وذلك بمقابل تسجيل خروقات قانونية وحقوقية من قبل جهات رسمية أيضا. 
المتابع والمراقب للحراك الجماهيري في بعض المناطق بعد موجة رفع الأسعار الأخيرة، يلاحظ خروج بعض النشطاء والشخصيات عن النسق العام للاحتجاج السياسي المقبول قانونيا وسياسيا، حيث طرح البعض شعارات وخطابات نَحَت باتجاه خرق السقوف والتوافقات والثوابت الوطنية، وتهدد بجانب ما بإثارة الفوضى والمس بالسلم المجتمعي، ويمكن القول بثقة إنها تبقى شعارات معزولة ولا تمثل المعارضة الأردنية بكل اطيافها.
وقد أشار المركز الوطني، في هذا السياق، إلى هذه التجاوزات وسجل تحفظه عليها باعتبارها مخالفة قانونية، حيث قال "خرجت تلك الهتافات والخطابات والشعارات في حالات عن المستوى والنطاق الذي يحميه الدستور والمعايير الدولية ذات الصلة، لتمس سمعة الأشخاص وكرامتهم، ما يجعل مساءلة أصحابها قضائياً ممكنة ومشروعة وفق هذه المعايير". 
 المركز الوطني الذي لم يغازل الشارع المحتج بإقراره بشرعية المساءلة القضائية للمتجاوزين في الاحتجاجات، وجه نقدا غير مسبوق، في المقابل، للحكومة وأجهزة إنفاذ القانون، على خلفية "انتهاكات وتجاوزات" بحق موقوفين وبعض أهاليهم، رأى أنها "انتهكت المعايير ذاتها والتي يكفلها كل من الدستور والصكوك الدولية لحقوق الانسان"، ما يعد "انتهاكا جسيماً لمبدأ حكم القانون" بحسب البيان.
لا يمكن إلّا أن نتفق مع المركز الوطني في أنه لا يمكن حماية الأمن والاستقرار في المجتمع والنظام العام عبر التضييق على الحق بالاحتجاج السلمي، أو لجوء السلطات والمسؤولين لمحاسبة المحتج على الانتقاد للسياسات العامة والممارسات غير السليمة، فكل ذلك "لا يخدم الأمن أو التنمية، وينال من حيوية المجتمع ومناعته، مثلما يضعف الثقة بين المواطن والدولة".
على الموظف العام أن يتحمل النقد والمساءلة والمحاسبة التي يتيحها الدستور والقانون، وأن لا يضيق بحرية التعبير والاحتجاج السلمي، ليتعسف باستخدام السلطة ويتجاوز على القانون. فيما على السياسيين والأحزاب والناشطين السياسيين والحراكيين انفسهم التصدي من جهتهم للخطاب العدمي أو ذاك الذي يخرق نصوص الدستور والقانون أو ينحو إلى الاحتجاج غير السلمي، خصوصا في هذه الظروف الاقليمية الخطرة التي تحاك فيها الخطط والمؤامرات لإعادة فك وتركيب الدول والكيانات الوطنية لصالح اسرائيل ومطامع دول كبرى.
رغم كل الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة فإن رأسمالنا في الأردن هما الاستقرار والأمن اللذان حرمت منهما دول وشعوب عديدة بمحيطنا الاقليمي. والحفاظ على هذين الكنزين لم يكن ليتحقق لولا الوعي الشعبي والتوافق الوطني على سقف الحراك والاحتجاج تحت مظلة الدستور، مع التأكيد، سابقا وحاليا ولاحقا، على الحق المقدس للناس بالاحتجاج والسعي للإصلاح الحقيقي ورفض سياسات الإفقار الرسمية التي تعيد إنتاج الأزمة وتعمقها أكثر.

الغد 2018-03-15