عن رسالة الطبيبة روان التي نشرتها على الفيس بوك

تم نشره الأحد 19 أيّار / مايو 2019 12:59 صباحاً
عن رسالة الطبيبة  روان التي نشرتها على الفيس بوك
د.فطين البداد

أثارت رسالة الطبيبة التي تعرضت لاعتداء في احد المستشفيات الحكومية من قبل مرافقي أحد المرضى مواقع التواصل الاجتماعي في الاردن ولقيت تعاطفا كبيرا .

وبغض النظر عن ملابسات القضية ، إلا أن ما لفت انتباهي هو خوف الطبيبة المذكورة من ان يذهب حقها سدى ، وهذا ما يستشف من رسالتها التي نشرتها على صفحتها على الفيس بوك السبت ،وتناولتها مختلف وسائل الاعلام في الاردن ، حيث كانت حادثة الاعتداء التي وقعت قبل ايام مدار سجال وردود بين وزارة الداخلية وبين نقابة الاطباء التي اعتبرت ان حماية اطبائها من مسؤولية الوزارة ، مما دفع الوزارة لاصدار بيان تؤكد فيه بأنها تقوم بواجبها وبأنها حولت المعتدي الى الجهات المختصة .

أيا كان الأمر ، فإني لم اجد بأسا في إعادة نشر رسالة الطبيبة المعتدى عليها ، لما تحويه من عفوية وانسانية ورغبة فطرية في الوصول الى الحق بغض النظر عن الخصوم .

تقول الرسالة كما وردت ودون اي تدخل :

السلام عليكم

بحب اشكر كل حد رن او بعت مسج وكل شخص اجا ، يمكن ما قدرت ارد عالكل بعتذر بس دعمكم وصل .

انا روان سامي مقيمة جراحه.

انا مو معينه بالصحه ولا غيره انا ما درست على حساب حد ولا اشتريت شهادتي . انا تعبت وانا بالطريق الصحراوي رايحه جاي عالجامعه سهر ليالي وتعب ودموع الله اعلم فيها ... الله اعلم بابا كيف كان يوفر قسطي وقديه كان يتعب ليخليني ما احتاج اشي . انا حياتي بين الكتب ، الناس بتطلع تسهر تنبسط وانا سهرانه بدرس ... انت صايم وبدك تروح تنام انا صايمه وبداوم دوامي عادي ما نقص ولا ساعه ولازم بس اروح ادرس !

انا مو إنسانه سيئه وعمري ما تعاملت مع حد بسوء ،انا كنت اتعامل مع المرضى كانهم اهلي . عمري ما تعاملت مع حد بفوقيه شو مكان مستواه التعليمي او وظيفته .

انا دخلت تخصص جراحة عامه مع العلم ندرة الطبيبات بهاد التخصص ، مشان اخدم بنات بلدي بالتحديد الي بعانو من مشاكل جراحيه محرجه متل مشاكل الثدي او الشرج . حتى ما تيجي بمراحل متاخره مشان الخجل تكشف قدام طبيب ذكر .

بتعرف شو يعني ادرس طب ٧ سنين واتخصص ٥ سنين بدون راتب ...
انا يا جماعه مو بمكان أدافع عن حالي ... انا طبيبه بشتغل بدون راتب اه بدون راتب انا تأمين ما عندي بالمستشفى الي بشتغل في ولا بغيره .. انا بداوم كل يوم من الساعه ٨-٤ وكل تلت ايام بناوب لمدة ٣٢ ساعه اه ٣٢ ساعه بعيد عن اهلي بدون راتب ...

اهلي ناس مسالمين وبسيطين ، ليش اشوف دموع ابوي وامي وندمهم اني درست طب وهم بتفرجو على وجهي وهو وارم من الكدمه وفي بانفي سداده مشان النزف ؟ ليه ... ليه يتم الاعتداء على بنتهم الي بتسهر ليل نهار بالمستشفى بعيد عنهم مشان تقدم للناس رعايه .

انا تم الاعتداء علي بنهار رمضان وانا على رأس عملي من قبل مرافقين مريض لعدم توفر سرير عناية مركزه وهو شي خارج عن ايدي . تم الاعتداء علي لفظي بطريقه مهينه من قبل مرافقة المريض اضطرني لطلب code white وطلب الأمن ، لأفاجأ بعدها ببوكس على وجهي من قبل مرافق اخر ادى لإسقاطي أرضا مع نزف من الأنف .

انا قبل كل هاد إنسانه ، انا أنثى قبل اكون طبيبه يا جماعه انا بنت !!! انا أنثى !!! ... انا ممكن اكون اختك او مرتك او بنتك ... انا بنت انضربت بدون اي حق ... انا ما اعتديت على حد انا تمت إهانتي بطريقه سيئه ...

انا بناشد كل الجهات بالبلد .. انا بناشد جلالة الملك والملكه ... بناشد عطوفة دولة رئيس الوزراء ... بناشد عطوفة معالي وزير الصحه .. بناشد نقابة الأطباء... بناشد عطوفة مدير المستشفى ... رئيس قسمي ...بناشد الاخصائيين ... بناشد زملائي الاطباء ... انا بترجاكم .. انا تعرضت لأذى نفسي
وجسدي سيء ... انا املي فيكم وبرب العالمين كبير ..."".

الى هنا تنتهي الرسالة ولا اعلق على ما ورد فيها ، ولكني في الختام أوجه رسالة لنقابة الاطباء وأقول : فهمنا أنكم تفاعلتم مع هذه الطبيبة وطلبتم من الوزارة حماية الاطقم الطبية ، كما تفعلون دائما ، وهذا من حق جميع الاردنيين أطباء وغير اطباء ، ولكن ماذا تقول النقابة بخصوص الظلم الواقع على هذه الطبيبة وأمثالها من قبل المستشفيات الحكومية والخاصة ، وهل يعقل أن تعمل 5 سنوات مجانا نظير تخصصها .. أين يحدث هذا واين حقوق البشر يا نقابة أطباء البشر ؟؟.

وأيضا ، أحب أن اعرض سريعا قصة مشابهة وقعت مع سيدة اخرى ، ولكن بدون ضرب هذه المرة ، وبطلتها طبيبة أيضا تعمل في مستشفى حكومي ، ساقها حظها العاثر أن تدرس على نفقة الجامعة ، وبعد أن عادت للاردن طلبوا منها المبالغ التي دفعت من اجلها ، وهذا حقهم ، ولكن : هل تعلمون ماذا حدث بعد ذلك ؟ لقد تم الزامها بالعمل في مستشفى الجامعة الاردنية مقدار السنوات التي تخصصت فيها في الخارج براتب طبيعي ، ولكن لا تقبض منه شيئا .

كيف يحدث ذلك ؟ ..

لأنهم يقومون بخصم كل راتبها كطبيبة في المستشفى من اجل استعادة دين الجامعة ، مع أن القانون يلزمهم باقتطاع جزء من الراتب فقط ، وعبثا راجعت الطبيبة المذكورة مسؤوليها آنذاك بدون نتيجية ، فراجعت وزير المالية في ذلك الوقت وكان الدكتور المحترم محمد ابو حمور والذي اصدر قرارا برفض اجراءات الجامعة ، غير أن أحدا لم يلتفت أيضا ، الأمر الذي دفعها للجوء الى المدينة نيوز حيث نشرت قصتها وراجعت معها المسؤولين إلى أن تم تطبيق القانون عليها وخصم جزء من راتبها بدل خصمه كله على مدار سنوات .

متى سيطبق القانون على الجميع بدون تحيز وبدون انتقاء ، ومتى سنعترف أن عمل طبيبة مجانا لمدة 5 سنوات امتهان للبشر ، وبأن الموظف الذي كان يقبل براتب قليل قبل 3 سنوات بات الآن يفضل البطالة على السخرة بسبب عبثية العمل والغلاء وهو امر ملموس ، وبأن خصم كل رواتب المبتعثين من اطباء وغيرهم وعملهم سنوات طوالا لسداد ديونهم ظلم وجور يخالف الفطرة والمنطق السليم ..

أشد على يدي الطبيبة روان المكافحة  ، وأذكرها بأن حدثا كهذا لا ينبغي أن يجعلها تنفر من مهنتها النبيلة ، وهذه المقالة دليل على ذلك ، فهذه مهنة المهن بغض النظر عن بعض مرضى النفوس ، ولولاها لعاش الناس في قتام وظلام وعادوا لخزعبلات " غيبية " لا تبدأ بضرب الودع ولا تنتهي بقراءة الفناجين.

د.فطين البداد