«صفقة القرن 2»

تم نشره الإثنين 10 حزيران / يونيو 2019 12:35 صباحاً
«صفقة القرن 2»
عريب الرنتاوي

بعد التسريبات المنسوبة لمايك بومبيو عن لقائه في نيويورك بقيادات يهودية أمريكية، يبدو أن «صفقة القرن» التي شغلت بها إدارة ترامب العالم، على وشك السقوط في مستنقع الفشل، ببساطة لأنها «غير للتحقق» كما قال الوزير الأمريكي ... ولكن هذا ليس أكثر ما يثير اهتمامنا في هذه المقالة على وجه التحديد... وسبق أن قتلنا هذا الموضوع بحثاً ونقاشاً خلال العامين الفائتين على أية حال.
ما يهمنا بدل التسريبات عن «صفقة القرن الأولى»، هي التصريحات التي تصدر في واشنطن وعن رموز الإدارة الأمريكية، بمن فيهم ترامب نفسه، والتي تدور في معظمها حول «صفقة قرن ثانية» إن جاز التعبير، يجري التمهيد لها على جبهة ثانية، إيران هذه المرة، فهل تقفز هذه الإدارة من فشلها على الجبهة الفلسطينية – الإسرائيلية، إلى استطلاع حظوظها على الجبهة الإيرانية، بعد أن سجّلت فشلاً ذريعاً على جبهات عديدة أخرى، من بينها كوريا الشمالية وفنزويلا.
بعد أن أوصل ترامب وأركان إدارته «الشرق الأوسط الكبير» إلى حافة الهاوية، إن بالتهديد بـ»إنهاء إيران رسمياً»، وقبلها شروط مايك بومبيو الاثنتي عشرة، وبعدها حشد الأساطيل وحاملات الطائرات وإرسال المزيد من التعزيزات، سجّلت الإدارة «استدارة شبه كاملة» في مواقفها حيال إيران، في محاكاة لـ»سيناريو كوريا الشمالية» بالتمام والكمال ... وبدأت «نبرة» التصريحات تأخذ منحى مختلفاً، فحل «الازدهار» محل «الإبادة»، و»التعاون مع النظام» بدل «إسقاطه» ... والحديث عن حوار غير مشروط، وفي أي زمان ومكان، بات القاسم المشترك الأعظم للتصريحات الأمريكية.
لقد بلغ ترامب في «تقرّبه» من «نظام الملالي» حداً لم يسبقه إليه أي رئيس أمريكي سابق منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران ... تنبأ بازدهار إيران في ظل نظامها القائم، واختصر لائحة مطالبه من إيران، بمطلب واحد: عدم امتلاك القنبلة النووية، ضارباً عرض الحائط بشروط وزير خارجيته التي قلنا عنها في حينها، أنها «صك إذعان» يُراد لإيران توقيعه من دون قيد أو شرط، وأنها «التعبير الدبلوماسي الملطف» عن مطلب «إسقاط النظام»، هكذا من دون زيادة أو نقصان.
كل هذا تغير الآن، وبدأت واشنطن ذاتها بتسيير الوسطاء وتحريك الوسطاء، من بغداد إلى مسقط، وصولاً إلى طوكيو مرورا ببيرن السويسرية .... صمت جون بولتون، وارتضى التركيز على فنزويلا ومادورو بدل إيران والمرشد الأعلى ... أما بومبيو الذي أعلنته بيونغيانغ رجلاً غير مرغوبٍ فيه، فهو نفسه من قضى ثلاثة أيام سويسرية للبحث في فرص التوسط والوساطة، والتأكد من «جاهزية الخط الهاتفي» الذي أودعه ترامب هناك، على أمل أن تجري الحرارة في أسلاكه أو عبر موجاته، بمكالمة هاتفية ينتظرها بشوق من طهران.
إيران بدورها تتابع هذا «السقوط الحر» لإدارة ترامب من فوق قمة الشجرة التي صعدت إليها ... واصلت حديثها بلغة «القوة» و»الندّية»، بل وذهبت إلى حد استعارة «الشروط الأمريكية المسبقة» لإشهارها في وجه الأمريكيين أنفسهم: على واشنطن أن «تغير سلوكها»، وأن تتبع أقوالها بالأفعال، إن هي أرادت لمفاوضاتها غير المشروط مع إيران أن تشق طريقها.
ومن يتابع تصريحات ترامب حول إيران، يرى أن الرجل واثق من قرب التئام مائدة المفاوضات مع طهران، الأمر الذي يبقينا مع ثلاثة احتمالات: (1) أن تكون الوساطات في القنوات الخلفية قد قطت شوطاً واعداً .... (2) أن يكون الرجل وإدارته قد اتخذا قراراً بإعادة انتاج الاتفاق النووي ذاته، وإن بصيغ جديدة تحفظ ماء وجه الإدارة، وتنزع خاتم أوباما عن الاتفاق الأول ... (3) أن تكون لدى الرجل «معلومات» بأن إيران على وشك الانهيار، وأنها ستأتي زحفاً على بطنها للقائه حيثما شاء ووقتما شاء... وثمة احتمال رابع، لم نرغب في إدراجه في لائحة الاحتمالات الجدّية، كأن نكون أمام نوبة هذيان من تلك التي اشتهر بها.
من دون أن نسقط أهمية الاحتمالين الأول والثالث، فإننا نرجح أن يكون الاحتمال الثاني، هو المحرك الرئيس وراء موجة التفاؤل التي تجتاح الرئيس ترامب باستئناف المفاوضات مع طهران، إذ طالما أن الحيلولة بين إيران والقنبلة هي كل أو جُل ما يريده ترامب من خصمه الإيراني، فإن اتفاق (5+1) يضمن ذلك، ولا أحسب أن طهران ستمانع إعادة انتاجه أو حتى إجراء بعض التعديلات الطفيفة عليه، للخروج من شرنقة العقوبات غير المسبوقة التي فرضت عليها ... لكن مثلما لترامب دوافع داخلية، تمنعه من الظهور بمظهر المهزوم أمام «نظام الملالي» فإن لدى القيادة الإيرانية بدورها، دوافع محلية، تدفعها للتريث وطول النفس و»الصبر الاستراتيجي» في التعامل مع رئيس نزق وإدارة تضربها فوضى المواقف والسياسات.
الأزمة الأمريكية – الإيرانية، تبتعد عن حافة الهاوية يوماً إثر آخر، وفرص دخولها على سكة الدبلوماسية أو التفاوض ما زالت قائمة، بل وترتفع باطّراد، وربما نكون أمام «صفقة قرن ثانية»، تستحق هذا الاسم بجدارة بخلاف «صفقة القرن الأولى»، وإن كنّا ما زلنا على توقعنا السابق، بأن المفاوضات الجادة ربما تبدأ بعد الرئاسيات الأمريكية – 2020، مع ترامب أو من دونه، فالتعقيدات الداخلية والإقليمية والدولية التي تحيط بهذا الملف، ترجح احتمالاً كهذا، وإن كانت لا تُسقط «عنصر المفاجأة» من حساباتها ... أليس عهد ترامب برمته، هو مسلسل متعدد الحلقات من المفاجآت والفواجع المتلاحقة؟!

الدستور - الأحد 9 حزيران / يونيو 2019.



مواضيع ساخنة اخرى
مصدر أمني: لا شبهة جنائية بدفن أجنة في كفرابيل مصدر أمني: لا شبهة جنائية بدفن أجنة في كفرابيل
هذا ما يجري على الحدود بين الأردن وسوريا... قرارات ثأرية هذا ما يجري على الحدود بين الأردن وسوريا... قرارات ثأرية
نقابة الفنانين الأردنيين تكشف موقفها من مسلسل ”جن“ (فيديو) نقابة الفنانين الأردنيين تكشف موقفها من مسلسل ”جن“ (فيديو)
المركزي الأردني: 2948 مليون دولار الدخل السياحي وحوالات المغتربين في 4 أشهر المركزي الأردني: 2948 مليون دولار الدخل السياحي وحوالات المغتربين في 4 أشهر
المدعي العام يباشر التحقيق بـ”قضية جن” ومنتجو المسلسل يؤكدون قانونية موقفهم المدعي العام يباشر التحقيق بـ”قضية جن” ومنتجو المسلسل يؤكدون قانونية موقفهم
تعنيف طفل يثير مواقع التواصل في الأردن تعنيف طفل يثير مواقع التواصل في الأردن
نتفليكس ترد على الأردنيين  :  لن نتهاون مع الألفاظ الجارحة لطاقم العمل نتفليكس ترد على الأردنيين : لن نتهاون مع الألفاظ الجارحة لطاقم العمل
هيئة الأفلام : الذين علقوا على مسلسل "جن" لم يشاهدوه أساسا هيئة الأفلام : الذين علقوا على مسلسل "جن" لم يشاهدوه أساسا
نتفليكس تنتج مسلسلا آخر في الأردن نتفليكس تنتج مسلسلا آخر في الأردن
‫مدعي عام عمان يضع يده على ملف مسلسل (جن) ‫مدعي عام عمان يضع يده على ملف مسلسل (جن)
المعاني: لا تغيير على المناهج الدراسية المعاني: لا تغيير على المناهج الدراسية
فيديو : تعرف على مسلسل جن الذي اغضب الاردنيين رسميا وشعبيا فيديو : تعرف على مسلسل جن الذي اغضب الاردنيين رسميا وشعبيا
تحذير أمني : الجوكر من أخطر المواد المخدرة تحذير أمني : الجوكر من أخطر المواد المخدرة
تقرير : الأحداث يرتكبون 10% من مجموع الجرائم المسجلة في الأردن عام 2018 تقرير : الأحداث يرتكبون 10% من مجموع الجرائم المسجلة في الأردن عام 2018
سحر العبادي .. اسم شارع جديد في الزرقاء سحر العبادي .. اسم شارع جديد في الزرقاء
الحباشنة : تجنيسي 700 شخص كذب وافتراء ومحض اختلاق الحباشنة : تجنيسي 700 شخص كذب وافتراء ومحض اختلاق