"استطاعة الحج": لا تثقلوا كواهلكم!

تم نشره الأربعاء 24 تمّوز / يوليو 2019 03:04 مساءً
"استطاعة الحج": لا تثقلوا كواهلكم!
حجاج

- ربما يغيب عن الوعي الفهم الحقيقي لمعنى الاستطاعة في موضوعة الحج الى بيت الله الحرام، وهو ما يجسده السلوك النزق عشية موسم الحج، الذي يشهد تزاحما على التسجيل لأداء هذه الفريضة.
ففي مثل هذه الأيام من كل عام ترتفع وتيرة التذمر، احتجاجا على عدم شمول المتقدمين في قائمة المشمولين بالحج وهي القائمة التي تحددها حصة الاردن، ليوجهوا اتهامات إلى المعنيين، دون التأمل في قوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا".
فحنان عيسى (56 عاما) تقول لـ (بترا) "آلمتني عدم مقدرتي على أداء فريضة الحج، وأنا اقترب من الستين، احتكاما للشروط المفروضة على من يرغب بأداء الفريضة، بين الأكبر سنا وبين التكاليف العالية"، متسائلة عن مصير الراغبين بالحج في سن مبكرة خاصة وأن أحدا لا يدري متى ينتهي عمره؟.
اما محمود سعيد البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما فيعبر هو الآخر عن قلقه لتفاقم حالته الصحية ولم يؤد الفريضة بعد، مضيفا: "حتى لو كنت أعاني المرض، فإن قلبي متعلق بأداء مناسك الحج، لعلّي ألقى الله بقلب سليم".
وفي العام 2017 تقدم نحو 40 الفا للحصول على التأشيرة، انخفض الرقم العام الماضي بعد الزام المتقدم إيداع 200 دينار مستردة، الى احد عشر ألفا وخمسمئة متقدم، تنافسوا على سبعة آلاف تأشيرة، وهي الكوتا المخصصة للمملكة.
الناطق الإعلامي باسم وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية حسام الحياري يوضح أنه بعد تعديل القرار العام الحالي الذي نص على الزام احد مرافقَيْ الحاج الأصيل ايداع 200 دينار مستردة بدل ان يودع ثلاثتهم هذا المبلغ، فإنه وبالرغم من هذا تجاوز عدد المتقدمين تسعة وعشرين ألف متقدم تنافسوا على سبعة آلاف تأشيرة، ثم زادت حصة المملكة ألف تأشيرة. الاستطاعة الفردية والموضوعيةواعتبر متخصصون لوكالة الأنباء (بترا) ، ان "المجتمعات العربية تعاني من تغلغل مفاهيم دينية مشوشة نظرا لعدم التمعن في مقاصد الشريعة الاسلامية التي نظمت المعاملات والاخلاق والعبادات، ففريضة الحج مشروطة بالاستطاعة الجسدية والمالية، لكننا نجد نسبة لا يستهان بها من الحجاج يثقلون على اجسادهم المريضة، ويكلفون انفسهم ماليا بما لا طاقة لهم به".
أمين عام دائرة الافتاء الدكتور أحمد الحسنات، قال ان الحج شرطه الاستطاعة البدنية والمالية، وهذا معناه أن يكون قادرا على أداء مناسك الحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة وغيرها من العبادات، فمن كان مريضا أو عاجزا أو مقعدا ولا يستطيع ان يقوم بخطوات الحج ويصعب عليه ذلك فلا يطالب بالخروج للحج حتى لو كان قادرا ماليا.
وأوضح ان الاستطاعة المالية تعني وجود مال زائد عن حاجة الفرد وحاجة من ينفق عليهم ويعولهم تكفيه لأداء الحج من نفقة السفر ذهابا وإيابا، ونفقة من يعولهم اثناء سفره ونفقة نفسه في أثناء الحج، فإذا لم يتوفر المال الزائد سقط عنه الفرض لعدم توفر شرطه وهو الاستطاعة.
وأكد الحسنات أن المسلم الذي فقد شرط الاستطاعة لا يطالب بفريضة الحج لا في الدنيا ولا في الآخرة، أي أن الله لا يحاسبه على عدم حجه لأنه لم يطلب منه ابتداء، موضحا ان من كان قادرا ماليا على نفقة الحج لكنه عاجز بدنيا يجيز له الإسلام أن يوكل أو يستأجر غيره للقيام بالحج عنه، حتى بعد موته شريطة أن يكون من أوكله أو استأجره قد حج سابقا وسقط عنه الفرض أولا، وهذا ما يعرف بحج البدل، ويجب ان يكون من مال من وحب الحج في ذمته في حياته، ومن ماله الموروث اذا كان متوفى.
وأكد أنه بالنتيجة "لا حاجة للاستدانة او الحج عبر الأقساط الذي تموله بعض الشركات والبنوك، لأن ذلك يعتبر من باب التضييق والتقتير على من ينفق عليهم، والله تعالى جعل ذلك من الإثم الذي يحاسب عليه الإنسان، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول"، فلا يجوز شرعا أن يجعل الإنسان أهله يتكففون الناس ويصبحون عالة في سبيل عبادة لم تفرض عليه إلا بشرط الاستطاعة. وشدد الحسنات على من اراد الخروج للحج أن يكون حجه مبرورا، اي لا يشوبه اي مخالفة او معصية، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "وإذا خرج (أي إلى الحج) بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور".
وأوضح ان هذا يقاس على كل امر فيه شبهة، كالاحتيال على الدور او دفع الرشاوى او ان يحلف احدهم يمينا كاذبا بأنه لم يحج من قبل وكان قد حج سابقا وغيرها من الامور، متسائلا "كيف تعصي الله كي تطيعه"، وحسب اصول الفقه درء المفاسد اولى من جلب المصالح، وترك المعاصي اولى من فعل الطاعات، اما من قام بفعل معصية وأدى الحج فهذا سقطت عنه صورة عبادة الحج ولم يحصل الاجر المبرور، ولم ينطبق عليه قول الرسول عليه الصلاة والسلام "من حج ولم يرفث او يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
مدير الحج بوزارة الأوقاف يوسف الشبلي قال: ان الوزارة اعتمدت لسنوات طويلة معيار الأكبر سنا من بين المتقدمين للحج، لكنها حاولت في الوقت ذاته ان تمنح الشباب فرصة من خلال السماح للحاج باصطحاب مرافق له ذكر أو أنثى دون النظر للعمر.
وأشار إلى أن الوزارة سعت إلى منح الأصغر سنا فرصة من خلال تخصيص 20 بالمئة من كوتا المملكة الأردنية الهاشمية للمدخرين في صندوق الحج وهو غير مرتبط بالعمر، ما يعني أن هناك تطورا في معيار اختيار الحجاج الأردنيين.
وأضاف، ان مجلس الوزراء أقر هذا العام معيار القرعة لاختيار الحج للتوسع في شريحة الحجاج الأصغر سنا، وهذا يشمل كل من هم من مواليد ما قبل 1970 لغاية 1950، وهكذا يصبح لدينا ثلاثة معايير معتمدة في اختيار الحجاج هي الأكبر سنا وصندوق الحج والقرعة، وكل ذلك يساهم في زيادة اعداد الحجاج الأصغر والاقل إصابة بالأمراض.
وأشار إلى أن لدينا حجاجا يعانون من أمراض مزمنة كالسرطان وامراض الرئة واقلها الشيخوخة، وهذا يحتاج إلى ثقافة مجتمعية تجسد ان الاستطاعة ليس المقصود بها الناحية المالية فقط، بل الناحية الجسدية في غاية الأهمية كذلك.
وقال :"ان وزارة الاوقاف تعمل على تطوير التعليمات الناظمة لاختيار الحجاج بحيث تكون اعمارهم اقل من الشيخوخة، حتى يستطيع الحاج الخروج للحج وهو في صحة جيدة، بالإضافة إلى انها عملت على تطوير الخدمات المقدمة للحجاج انطلاقا من كبر سنهم ومرضهم.
ومن أبرز هذه الخدمات، جعل اعداد المسافرين للحج عن طريق الجو اكبر، وادخال باصات (VIP) من اجل مساعدتهم للتنقل بسهولة، كما جعلت السكن في مكة والمدينة بغرف رباعية وثلاثية وثنائية، لتتمكن العائلة من البقاء مع بعضهم لتسيير أمورهم، وغيرها من الامور التي من شأنها التسهيل على حجاج بيت الله، كاختيار منطقة العزيزية لتكون قريبة على المشاعر المقدسة وأن يحقق المرضى وكبار السن المبيت في منى بالرجوع على سكناتهم دون الحاجة للبقاء بالمخيمات، مشيرا أيضا الى تقديم خدمة الإعاشة وهي عبارة عن (بوفيه) إفطار وعشاء لجميع الحجاج يفتح لمدة أربع ساعات، كي لا يشكل لهم الحصول على الطعام والشراب عائقا أثناء حجهم.
مدير عام صندوق الحج فؤاد الكوري قال إن فكرة تأسيس صندوق للحج الذي يعتبر الاول عربيا والثاني عالميا بعد ماليزيا جاءت لتحقيق شرط الاستطاعة المنصوص عليه في قوله تعالى "ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا".
وأضاف، ان صندوق الحج يعمل على تمكين غير المستطيع من تحقيق شرط الاستطاعة لأداء الفريضة بسن مبكر عن طريق ادخار مبلغ محدد، يتم استثماره وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية، وبما يساهم بتعزيز ثقافة الادخار لدى المواطنين وتنمية هذه المدخرات باستثمارها بالعديد من القطاعات الوطنية الواعدة وفقا للضوابط الشرعية.
وأوضح الكوري أنه لغايات تنظيم الحج خصص للمملكة عدد محدد من الحجاج لكل عام، ولما كان هذا العدد أقل بكثير من عدد الأردنيين الراغبين بأداء فريضة الحج، كانت أولوية الاختيار لكبار السن، وهذا جعل فرصة الحج لمن هم أصغر سنا أكثر صعوبة، لذا فإن صندوق الحج يتيح للراغبين في الحج بسن مبكر الادخار فيه والمنافسة على نسبة 20 بالمئة من العدد المخصص لحجاج المملكة بعد استكمال الشروط المطلوبة.
وبين ان الادخار يبدأ من 10 دنانير فما فوق كلا حسب مقدرته، وهذا يتيح له تحقيق شرط الاستطاعة المالية والجسدية دون ان يثقل على نفسه وعلى من يعول، كما انه يسمح للأطفال بالادخار منذ صغرهم، فما ان يبلغ الفرد سن 18 عاما يكون قادرا على اداء الفريضة حسب دوره في استكمال الشروط.
هبة العسعس --(بترا)



مواضيع ساخنة اخرى