ميراث المسيحية من زوجها المسلم

تم نشره الخميس 15 آب / أغسطس 2019 11:39 مساءً
ميراث المسيحية من زوجها المسلم
تعبيرية

المدينة نيوز :- أجمعت المذاهب الفقهية الاربعة على عدم جواز أن ترث الزوجة المسيحية زوجها المسلم بعد وفاته، وكذلك عدم جواز أن يرث المسلم من زوجته المسيحية سوى ما أفتى به بعض الصحابة والتابعين بجواز ميراث المسلم من غير المسلم مخالفين نص الحديث! كما ورد في كتب الفقه التي درست القضية وتناولتها بالتفصيل، ويبدو أنهم كانوا مأسورين لظرف تاريخي واجتماعي وسياسي معين جعلهم يبتعدون عن الاعتماد على النصوص الصريحة الواضحة المتعلقة بآيات الميراث في القرآن الكريم، وقد جاء كذلك في قانون الاحوال الشخصية الاردني في المادة (281) بحرمة ميراث غير المسلمة من زوجها المسلم أو ابنائها أو العكس استنادًا الى آراء الفقهاء واجتهاداتهم السابقة في هذه المسألة.
قمتُ ببحث هذه المسألة في رسالة الماجستير خاصتي في كلية الشريعة في الجامعة الاردنية قبل أشهر قليلة والتي كان موضوعها باللغة الانجليزية عن التحديات التي تواجه المسيحيين الاردنيين والمتعلقة بفهم الشريعة الاسلامية، وناقشتُ الموضوع من جوانب مختلفة وكان لابد بطبيعة الحال من أن اكون موضوعيا وأكاديميا قدر المستطاع، فاستحضرتُ فتاوى الائمة الاربعة والصحابة في هذا الشأن وأدلتهم التي استندوا اليها، ثم أخذتُ أناقش الموضوع بطريقة علمية موضوعية كأي باحث يبحث عن الحقيقة ؛ و برغم وجود اجتهادات واضحة قطعية للمدارس الفقهية الأربع في هذا الشأن- وما أصعبه من طريق – كنت أتساءل ؟كيف لزوجة مسيحية قد تعيش مع زوجها المسلم لمدة تزيد على الأربعين عاما مثلا، ولديهم الاولاد والاحفاد ثم عند وفاته يرث الجميع من الاب، ولا ترث هذه المرأة من زوجها لأنها “كافرة” ! أين العدل في ذلك وما هو قصدُ الفتوى من المنع وهل ينطبق عليها هذا اللفظ في الفتوى والحديث ؟ وعن أي انسانية نتحدث وقد مُنعت الزوجة من حقها المالي وتُركت تسأل الناس بعد وفاة زوجها وتستجدي عطف هذا أو حنان ذاك وباتت مُعرضة للفقر بعد أن كانت تعيش حياة كريمة ! وهي التي أباح لها الشرع أن تأخذ المهر عند الزواج وأباح لها النفقة كذلك عند الطلاق، ثم تُحرم هكذا وبكل بساطة من الميراث ؟
لفت انتباهي بادئ ذي بدء بأن النص النبوي الذي اعتمد عليه الفقهاء في حرمة ميراث الكتابية من زوجها المسلم وهو القائل “لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم” قد ورد في صحيحي البخاري ومسلم، وهو النص الذي فهم منه الفقهاء بأن أهل الكتاب هم من “الكفار” الذين ينطبق عليهم اللفظ في الحديث ! وهذا اللفظ باعتقادي مخالف تماما لجميع النصوص النبوية والقرآنية التي تتحدث عن أهل الكتاب “عند مخاطبتهم” فجميع النصوص النبوية والقرآنية عند المخاطبة كانت تستخدم الفاظا تدور حول “يا أهل الكتاب” و”الذميون” و”النصارى “و “اليهود”، ولم يرد نصٌ واحدٌ-عند المخاطبة -يخاطبهم مخاطبة الكفار ! وقد أيد هذا الرأي -المتعلق بالخطاب – الدكتور يوسف القرضاوي في بعض كتاباته ولكنه كذلك لم يُبح ميراث المسيحية من زوجها المسلم ! وقد لفت انتباهي ايضًا الفتوى التي أطلقها مجلس الافتاء الاوروبي في هذه المسألة وخالف بها بعض المدارس الفقهية من ناحية جواز أن يرث المسلم من غير المسلم مُعللا فتواه بأن الكافر المقصود في نص الحديث هو “الكافر الحربي” الذي يقاتل المسلمين وعلى عداء عسكري حربي معه وليس مَن هو مِن أهل الكتاب. اذن يمكن أن يتم فهم هذا الحديث والمراد منه والمقصود فيه بطريقة مختلفة بناء على دراسة الظرف والسياق الاجتماعي او السياسي الذي قيل فيه الحديث!
عند مراجعة جميع النصوص القرآنية نصًا نصًا تلك التي لا مجال لذكرها هنا والمتعلقة بموضوع الإرث نجد بأن الإرث غير مرتبط اطلاقا بموضوع الدين وعقيدة الوارث وأنه قائم في الاساس على رابطة القربى ورابطة الدم والرحم، فكيف إذن يتم حرمان تلك الزوجة من حقها المالي في الميراث استنادًا الى حديث واحد فقط ويتم التغاضي عن النصوص القرآنية الواضحة التي تقول بعكس ذلك؟ ما الذي جعل الفقهاء لا يأخذون بصريح هذه الآيات ووضوحها؟ لماذا جعلوا سُلطة بعض الاحاديث أقوى من سلطة القرآن وصريح آياته!
المفارقة أن الآراء الفقهية القديمة التي أباحت مخالفة الشطر الاول من الحديث وهو جواز ميراث المسلم من غير المسلم،استندت في فهمها للحديث النبوي الذي يقول “الاسلام يعلو ولا يُعلى عليه” وكذلك “أن الاسلام يزيد ولا ينقص” كما ورد في تعليلات وتوضيحات كتب الفقه حينها! وقد وجدوا في فهمهم لهذه الاحاديث فسحة لجواز أن يرث المسلم غير المسلم لانه مسلم فقط! ولأـن عقيدته هي الإسلام ! ولا بأس أن يأخذ المال والميراث لأنه يجب أن يعلو على غيره ولابأس أن يزيد ماله من غير المسلم! وبظني أن في هذا فهمٌ غير معقول وصادم لأسس العدل الإلهي وعظمة وإنسانية هذا الدين، الذي تميز في الكثير لكن أكثر ما امتاز به دعوته الدائمة للعدل والانصاف والمساواة بين الناس في الحكم والحث الدائم على هذه المعاني العظيمة وتطبيقها تطبيقًا حقيقيًا يحفظ حقوق الناس جميعا بغض النظر عن دينهم ومعتقدهم ولم يجعل الدين أساسا للتعامل والتعارف بين البشر والشعوب والقبائل أو وسيلة للمفاضلة بينهم .
ورد في تفسير القرطبي عند حديثه عن الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية والذي جاء فيه أن من أتى محمدًا عليه السلام من أهل مكة ردّه اليهم، وقد أمر الله أيضا المسلمين بعدم الابقاء على عصمة زوجاتهم الكافرات كذلك بما نصه ” ولا تُمسكوا بعصم الكوافر” فقال فيها القرطبي “بأن المراد بالكوافر من النساء هنا عَبَدة الاوثان ممن لا يجوز ابتداء نكاحها، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب ” أي أن القرآن الكريم قد وضح نصا بأن لفظ الكافر عند المخاطبة يعود على الزوجة الوثنية المشركة كما يُفهم من سياق الآية وسبب نزولها، ويقيني كباحث أنه يجب ألا يطلق على أهل الكتاب بأي حال من الاحوال عند مخاطبتهم هذا اللفظ أو أن يتم اشتقاق أي حكم شرعي على هذا الاساس.
باعتقادي أن الاجتهادات الفقهية في هذه المسالة بحاجة الى إعادة نظر وتمحيص دقيقين، خصوصا أن الفقهاء جعلوا بعض الاحاديث تُهيمن على صريح القرآن ووضوح مراده، وهذه دعوة ايضا لعلماء الشريعة لمراجعة سند الحديث الوحيد في هذه المسألة الذي تم الاعتماد عليه،واعادة دراسته وتخريجه والتفتيش عن رجاله بطريقة متأنية مرة اخرى حتى وإن كان الحديث في الصحاح فهذا جهد بشري، وذلك لاعتقادي بخطورة وعدم موضوعية وعدم إنسانية الحكم الشرعي الذي بني عليه، والذي فيه حرمان لانسان من حق في كسب مالي بسبب عقيدته ودينه!وفضلا عن اعادة دراسة المادة التي تنص على هذا الحرمان في قانون الاحوال الشخصية الاردني.
هذه دعوة اخرى لعلماء الشريعة لإعادة دراسة وتمحيص وتدقيق التراث الفقهي الاسلامي خصوصا الذي تدور خصوصا الذي تدور حوله اسئلة واستفسارات كثيرة متعلقة بقضايا واجتهادات فقهية قديمة قد يكون السياق الاجتماعي أو السياسي قد حكمها وأثّر فيها حينها وما أكثرها في الفقه،فهي اجتهادات بشرية تحتمل الصواب أو الخطأ، وفي هذا تعزيزٌ لقوة الفقه الاسلامي الذي يقبل النقد واعادة الدراسة والاجتهاد حتما دون أن يُنقص ذلك من قيمته شيئا، وهو سمة من سمات هذا الدين المتجدد دومًا ضمن المبادئ الراسخة التي أبانها القرآن في صريح آياته.

الغد