أيديولوجيا الأحافير

تم نشره الإثنين 19 آب / أغسطس 2019 12:27 صباحاً
أيديولوجيا الأحافير
د.باسم الطويسي

ولد علم الآثار الحديث من رحم التعصب القومي، بحثا عن الايديولوجيا القديمة مرة، أو تعبيرا عن الحنين إلى الماضي، وصياغة الهوية الحاضرة مرة ثانية، والاخطر صناعة الوهم ومنحه شرعية حاضرة مرة ثالثة، وعلى الرغم من ارتباط نشأة هذا العلم بصعود الدولة القومية في أوروبا، وما لازمهـا من عصبيات الهويـة إلا أننا لم نعدم الجهود التي حاولت تخليص البحث في الأدلة الماديـة للماضي من المقولات والافتراضات المسبقـة، واعادة إنتاج هذه الأنشطة كعلم خالص من الايديولوجيا بعيداً عن صراع المصالح التاريخية والسياسية، اليوم يعود النقاش في المجال الثقافي العربي عن ادلجة علم الاثار ونكتشف حجم التوظيف الصراعي لهذا العلم.
فإذا كان القرن الثامن عشر قد شهد البدايات الأولى للعمل الميداني في حقل الآثار أي التنقيبات والحفريات، فإنه شهد أيضاً بدايـة التأسيس العلمي للنظريـة الفلسفيـة للماضي البشري، وعلى الرغم من الرقي الكبير الذي نالته العلوم الفلسفيـة خلال العقود اللاحقـة في تفسير التاريخ والمجتمع والطبيعـة إلا أن الاهتمام بالجانب المادي من الماضي أي الآثار وما يتصل بها قد بقي إلى ذلك الوقت يستند إلى أربعة مصادر أساسية هي: القصص الشعبيـة، ثم الخرافات والأساطير، والمخلفات واللقى الأثرية ونصوص وقصص العهد القديم، ومع محاولات تشذيب العلم الوليد وفصله عن الخرافة ومنحه وجه بعض الموضوعية تراجعت المصادر التقليدية وحلت محلها في مطلع القرن العشرين أطر وأدوات تتمتع بنوع من الدقـة والنضوج العلمي. نعم، تراجعت بعض تلك المصادر إلا أن واحدا منها وهو العهد القديم استمر في تأثيره وجاذبيته الآخذة لعلماء الآثار وعد مصدرا للتاريخ ودليلا يحمله الآثاري أينما حل،حتى صبغ اتجاه كامل بصبغته في تاريخ علم الآثار سوف يتركز منذ مطلع القرن التاسع عشر ويوصف في الأوساط العلميـة (بعلم الآثار التوراتي) الذي احتل الجزء الأكبر من أنشطة علماء الآثار؛ وتركز نشاطه الاساسي على بلادنا.
لقد سادت في القرن السابع عشر في أوروبا أفكار حول الزمان كان مصدرها العهد القديم وتحديداً سفر التكوين، وذلك بالرجوع إلى التسلسل الزمني الذي قدمه لتاريخ الإنسان حيث يرد في سفر التكوين قائمة بأسماء شخصيات العهد القديم واعمارهم الذين بدوا وكأنهم عمروا لفترات طويلة، مما دفع إلى وضع تحديداً أكثر دقـة لحساب عمر البشريـة من آدم إلى طوفان نوح إلى إبراهيم.. وهكذا حيث تم التوصل إلى ان عمر البشريـة لا يتعدى ستة آلاف سنة، قال في ذلك مارثن لوثر قائد حركـة الإصلاح الديني، الذي عد العام (4000) ق.م بدايـة الخلق، والعالم الفلكي (كبلر) الذي أكد بأن البدايـة الدقيقـة تعود إلى 4004 ق.م، وجون لايتفوت رئيس جامعة كيمبردج الذي كتب بحثاً حول هذا الموضوع، وتورط ايضاً شكسبير في روايته “كيفما نريدها” حينما يقول على لسان روزالندا (العالم المسكيـن عمره ستة آلاف سنة، ولم يحدث في كل هذه السنوات أن مات إنسان من تلقاء نفسه بسبب قصـة حب)!
لقد احتل “علم الآثار التوراتي” حيزاً كبيراً من انشغالات الآثاريين الغربيين في القرنيين التاسع عشر والعشرين، ولقد اسهم في تأكيد هذه الظاهرة صعود المشروع الصهيوني المعاصر واستناده إلى المضمون التاريخي في البحث عن الهويـة والشرعيـة، حيث انتقلت قصص البحث عن قبائل اليهود المفقودة خلف غبار التاريخ من البلاد الجديدة في الأميركتين على تخوم مملكة الدورادو المزعومة وشواطئ أفريقيا إلى بلاد عتيقة أخرى هذه المرة هي فلسطين،هنا سوف تأخذ الأيديولوجيا العلم الجديد مرة أخرى وتعيد إنتاجه.
المشكلة ان المثقفين والسياسيين العرب لا يلاحظون في علم الآثار التوراتي الى المحاولات الصهيونية في البحث عن ادلة مادية في فلسطين او بلاد المشرق العربي تستجيب لنظرية الحق التاريخي ولا يشتبكون مع حجم وعمق تأثير هذا “العلم” في الحياة الثقافية والسياسية الغربية وفي الطريقة التي تتصرف فيها النخب والقوى المؤثرة في العالم المعاصر.

 الغد - الاحد 19-8-2019