التناقضات الكبرى: الثقافة الاستهلاكية

تم نشره الإثنين 02nd أيلول / سبتمبر 2019 12:52 صباحاً
التناقضات الكبرى: الثقافة الاستهلاكية
د.باسم الطويسي

واحدة من أبرز ظواهر التناقضات الكبرى التي شهدها المجتمع الأردني نتيجة مسار المرحلة الانتقالية الطويلة وتعززت في العقد الأخير، تتمثل في طفرة الثقافة الاستهلاكية، والتي تجعل النظرة السطحية لهذا المجتمع، تراه وكأنه قفز إلى سلوك مجتمعات ما بعد الحداثة دون ان يمر بمرحلة الحداثة ذاتها !
هل صحيح ان مجتمعنا بات ضحية لما بات يسمى في الدراسات الاجتماعية “المجتمعات الماكندولزية الجديدة” اي مجتمعات الاستهلاك الكبير والسريع والجاهز، في السابق كنا نطرح المثال التقليدي راقب انواع السيارات التي تقف على الإشارات الضوئية في بعض أحياء عمان لتعرف حجم التمايز الطبقي ونوع الثقافة الاستهلاكية التي يمارسها الناس في بلادنا؛ اليوم توثق وسائل الإعلام انماطا جديدة دالة على حجم التناقضات في انماط هذه الثقافة، من بين هذه المفارقات وحسب نشرة البنك المركزي الأردني ورغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية فإن الطلب على السفر إلى الخارج أي السياحة الخارجية وغيرها من أنشطة اخرى مرتبطة بالسفر ما يزال يتصاعد وينمو في السنوات العشر الاخيرة اكثر من معدلات النمو الاقتصادي على الرغم انه في العام الاخير شهد الانفاق على السفر نموا محدودا. يسافر سنويا 3 ملايين مواطن أردني، وفي نهاية 2018 سافر إلى الخارج 2.926 مليون مواطن، ويفترض ان هذه الاحصائية تتعامل مع الأردنيين الذين يحملون وثائق أردنية وليس سكان الأردن، هؤلاء ينفقون نحو مليار دينار أردني سنويا على السفر. 
في هذا الصيف أثيرت مسألة الطلب المتزايد على السفر إلى الخارج وتحديدا بداعي السياحة وتحديدا إلى المدن التركية والمنتجعات المصرية على البحر الاحمر، وحسب الإحصاءات أن نحو 300 ألف أردني زاروا تركيا وحدها العام الماضي، وحسب معلومات لم يتم التحقق منها أن الأردنيين باتوا يحتلون المرتبة الثانية عربيا والخامسة عالميا في تملك العقارات في تركيا، واحتلوا المرتبة الحادية عشرة في زيارة مدينة اسطنبول في نهاية 2018 بعدما كانوا يحتلون المرتبة عشرين في 2017، في حين يزداد الطلب على التعليم في الخارج في الوقت الذي توقفت فيه اشكال المنح الدراسية التي كانت تقدمها بعض الدول قبل عقود، حيث ينفق الأردنيون نحو 100 مليون دينار سنويا على التعليم في الخارج، وفي الوقت نفسه كل عام نسمع أن ثمة هجرة من مدارس القطاع الخاص إلى العام ولكن ما يزال المجتمع الأردني يدفع نحو 650 مليون دينار سنويا على التعليم الخاص، وفوق ذلك ينفق الأردنيون نحو 35-40 مليون دينار على الأضاحي كل عام !
تلك مجرد أمثلة محدودة على مظاهر الطفرة الاستهلاكية بكل تناقضاتها، وأكثر ما تشير اليه حالة التشوه التي تعيشها الطبقة الوسطى، هذا التشوه يقود إلى تنامي أخلاق جديدة وسط فئات هذه الطبقة اهم ملامحها تآكل الرأس مال الاجتماعي، وتراجع الثقة العامة، في المقابل نجد ارتفاع كلفة الائتمان في المعاملات المالية، ازدياد الجرائم الاقتصادية فيما تزدهر الانشطة الاقتصادية غير المنظمة القائمة على الشطارة والفهلوة والتهرب الضريبي.
كنا نقرأ في كتاب جورج راتيزار “المجتمع الماكندولزي”، عن التشاوف الذي تخلقه النزعة الاستهلاكية لمجتمعات ما بعد الحداثة، ومن ابرز مظاهره تراجع الانتاج وتضخم قطاع الخدمات والاستهلاك السلعي، وتراجع مكانة المهارات الفنية وازدهار المعرفة النظرية مكانها. لكن، الكتاب الاهم كتاب جون غوس “سحر المول” الصادر في نهاية التسعينيات والذي يوضح تماما جنون السوق والنزعة الاستهلاكية وسحر مجتمع التسوق الذي يجعل فئات اجتماعية تستدين وربما تدخل السجون من اجل شراء سلع كمالية او ان تسافر. 
عودة إلى السؤال الجوهري؛ كيف انتقلنا بهذه السرعة إلى الانماط الشكلية من سلوك مجتمعات ما بعد الحداثة قبل ان نمر في الحداثة ذاتها.

الغد - الاحد 1-9-2019