معنى أن تُسلخَ حتى من أبسط أحلامك

تم نشره الإثنين 15 آب / أغسطس 2022 01:01 صباحاً
معنى أن تُسلخَ حتى من أبسط أحلامك
بروين حبيب

هل كان يجب أن أتأخر كل هذا التأخير لأقرأ للكاتبة السورية سوسن جميل حسن؟ إذ بعد خمسة أعمال روائية ها هو العمل السادس «اسمي زيزفون» يقع بين يديّ، حاملا بين طياته حكاية امرأة من نساء الهامش، قررت بعد إصابتها بغيبوبة قصيرة في بيت أخيها، أن تعيد ترتيب أفكارها، وسرد حكايتها على شكل مذكرات، وإن كانت الغاية من ذلك غير واضحة تماما، فهي تريد أن تتذكّر تفاصيل عمرها الطويل بعد أن تجاوزت الستين عاما، وتفهم أين أهدرت كل هذا العمر.
تؤسس الكاتبة لشخصية تشبه العملة تحمل منذ البداية وجهين، وجها أرادته العائلة، وحدّدت مسار حياته اسمه جهيدة، مقيّد في الأوراق الرسمية ومعترف به في الهيئات الرسمية، ووجها أرادته هي اسمه زيزفون، هو كتلة من الأحلام والأفكار المتمردة والثائرة والهيامات والتخيلات، التي لم تجد سبيلا لتحقيقها. وهو الأنا العميقة المختفية عن الأنظار، والقابعة في الدّاخل الصّاخب المعاكس تماما لكل ذلك المألوف المُعاش مثلما اتفق.
الطبيبة السورية التي عشقت السرد، تمتلك طاقة هائلة لتقديم تصور روائي مؤثر عن نموذج نسائي مزدهر في مجتمعاتنا العربية، وهو مطلوب ومرغوب، وتعتمد عليه العائلات لامتصاصه حتى آخر رمق، دون أي امتنان أو اكتراث لمصيره، لقد وجد هذا النموذج للتضحية المستمرة حتى الموت من أجل سدّ الثغرات العائلية، والنواقص التي تتطلب الكثير من العطاء. الإناث اللواتي يبذلن جهدهن لإرضاء الوالدين والأخوة والأقارب والمجتمع، في رحلة عمر غريبة تسجل وجودهن وغيابهن في الوقت نفسه، وحتى إن عشن دهرا فهن مجرد مملوكات لدى العائلة، لإتمام مهمة معينة، بعدها يجب إنهاء عقدهن مع الحياة قاطبة.
ربما هي حكاية سوريا أيضا، وحياة السوريين المتعبين من الحرب واللجوء والتأقلم مع ظروف أفرزتها الحرب، وسنوات الثورة المتعثرة، والنكسات المتتابعة، والخيبات التي لا تنتهي، لكنها حكاية زيزفون، بطلة العالم العربي بامتياز، ولا اعتقد أن اختيار اسم «زيزفون» جاء صدفة لهذه البطلة الباسلة، العظيمة العطاء، فالزيزفون شجر معمّر يكثر في الأراضي العربية، وهذا له أكثر من معنى في البعد الجمالي لاسم بطلتنا في الرواية، والزيزفون أيضا عشبة تحمل سرا يؤخر أعراض الشيخوخة لمن يتناوله باستمرار كمشروب ساخن، وهذا موضوع آخر قد لا يعني قارئ الرواية أدبيا، لكنه أمر متوارث في الطب الشعبي، ولعلّ طبيبتنا نهلت من بعض هذا الموروث ما يكفي ليغذي شخصية زيزفون ولإعطائها زخما ثقافيا فوق زخمها الإنساني الاستثنائي.
تهتم زيزفون بوالدها المريض الذي يلتهم أجمل سنوات عمرها، حتى أنها تنسى أن تتزوج وتؤسس عائلتها الخاصة، وحين يموت يفاجئها أخواها بفكرة بيع البيت والتخلّص منها بعد الاستيلاء على الميراث كاملا. وقبل بلوغ النهاية المأساوية التي تنتظرها في آخر الرواية، في مشهد تعيشه يوميا النساء العربيات بنسخ مختلفة، تأخذنا الكاتبة في رحلة وصفية بديعة تقوم على دعامات لغوية غاية في الجمال إلى تلك التفصيلات التي تصنع ملح الحياة وبهاراتها. ما يجب التأكيد عليه هو براعة سوسن جميل حسن في الاشتغال على نسيجها السردي وبنائها الروائي، لقد اختارت الشخصيات المناسبة لتصعيد أحداث قصتها، وتفادت تماما الوقوع في هفوات الثرثرة التي تقع فيها شريحة مهمة من الكتّاب العرب، رغم أن روايتها التي شارفت على بلوغ الثلاثمئة صفحة تعتبر ضخمة نسبيا، إلاّ أن لغتها السلسة العذبة جعلت النص رحلة لغوية ممتعة، منحت لهذا العمل الأدبي علامة عالية الجودة تستحق عدة وقفات للتمعن في جمالياتها عديدة الأوجه.

يتجاوز ذكور هذا الشرق القانون والشرائع حين يريدون، ويوظفونها حين يريدون أيضا، وهذه إشارة مفجعة إلى الخواء الأخلاقي الذي نعاني منه.

في الرواية أيضا كمٌّ هائل من الخرافات التي تتوارثها الجماعات، ولا يهم تحديد أي جماعة، فالجميع يتفق مثلا على حرمان الأنثى من ميراثها الشرعي، بحجة العادات والتقاليد، رغم اختلاف معتقدات البعض عن البعض الآخر وبين طوائفهم، وكذا يفعلون حين يتعلّق الأمر بأي حق من حقوق الأنثى، ولو كان صغيرا. يتجاوز ذكور هذا الشرق القانون والشرائع حين يريدون، ويوظفونها حين يريدون أيضا، وهذه إشارة مفجعة إلى الخواء الأخلاقي الذي نعاني منه. يمكن لأي قارئة عربية من الخليج إلى المحيط أن ترى صورة محيطها منعكسة بوضوع في تفاصيل الرواية، ولن تحتاج لأي شرح لتفهم مجموع المظالم التي عدّدتها الكاتبة من خلال حياة زيزفون، التي تصحح مفاهيم أمور كثيرة مثل الزواج والموت والإنجاب والسطو على حياة الآخر حين نمتلك سلطة المال والسياسة، وهي كلها أفكار أكبر من حجم مخلوق مثل زيزفون، التي لا حول ولا قوة لها وسط تلك المنظومة التي برمجت نفسها على طبقية مقيتة وعبودية أبدية لها ولأمثالها.
رصدت الكاتبة كل كبيرة وصغيرة في حياة عينة صغيرة من هذا «الوطن العربي الكبير» في مكان ضئيل اسمه جبلة، وهي قرية في سوريا، والأرجح أنها أشبه بـ»الخزعة» التي تؤخذ من نسيج حيوي لفحصه تحت المجهر، والتأكد من نوعية خلاياه كأفضل طريقة لاكتشاف أي مرض بشكل مبكّر. لا شكّ في أن لكل حدث روائي إسقاط مشابه له في الحياة، لكن ليس بالمعنى السطحي الذي قد يراه البعض. فشخصية منيّر ربما تقودنا إلى مفهوم آخر للحرية وفق المعطى العربي، وموت سعيد ملاذ زيزفون العاطفي والفكري مفهوم آخر للمنطق وفق المعطى نفسه. شعبان وبرهوم وعواطف ونور، وجدلية الحياة والموت في قسمة غير عادلة بتاتا.. كل العناصر التي ابتكرتها هذه الطبيبة الأديبة تصب في بحيرة ملونة بالقاتم والفاتح واللامع والبراق، أي نعم تبدو حكاية زيزفون هذه مأساة طويلة الأمد، لكنها جميلة جدا جمال المرأة التي لا يفسد حزنها حسنها. وهي إذ لا تخلو من مشاهد ذرف الدموع، كذلك لا تخلو من طرائف وابتسامات طارئة.
منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى أواخر عام 2019 حقبة زمنية طويلة تطوقها الكاتبة بطريقة ذكية لتعيد وفق السلم الاستقرائي للأحداث لفهم ما جرى وما يجري، واستخلاص طبائع الحكام والمحكومين، الملاك والمحرومين، الموالين والمعارضين، وفقء عيون النظام الأبوي العاجز الذي لا يكف عن استعباد الإناث على طريقة الرجل المعطوب المريض، الذي يحتاج لعناية دائمة متبوعا بنكران لا حدود له لكل تضحياتهن.
حكاية زيزفون حكاية المشترك العربي وأنين الأنثى فيها، وهي «نص مذهل عميق، ملحمي» كما وصفه الكاتب أمير تاج السر في تقديم مقتضب له نقرأه على الغلاف الخلفي للرواية. وحقيقة هي من النصوص التي ندخلها بدهشة، ونتوغل فيها بمتعة كبيرة، ونخرج منها بأثر بالغ الوجع في قلوبنا. كأنّه طعنة قاتلة في نهايته، وقد اتسع مثل جرح نازف، في الإمكان مداواته إن حدثت معجزة. المؤسف حقا ليس احتراق بيت زيزفون فقط، بل احتراق دفتر مذكراتها، الشاهد الوحيد على وجودها، وكأنّها اهتدت لطريقة ذكية عبر التدوين لتسجل كل نضالها وتضحياتها، وإذ قبل تحقيق أمنيتها باكتمال تلك المذكرات، يُحرق البيت بما فيه. وهي صورة رمزية لتجريدها من كيانها، وهويتها، ونقاء نواياها تجاه كل من حولها.
تمت محاربة زيزفون بأسلحة قذرة منذ بواكير عمرها، مثل التهمة التي لاحقت سمعتها وشرفها وهي بعد في الخامسة عشرة، توالت بعدها عملية السطو على زهرة شبابها، إلى أن تخطّت عتبة الشيخوخة، ووقفت في ذهول كبير أمام أكبر خسائرها، وقد جرّدت من كل ما تملك وحتى من أبسط أحلامها، أن يكون اسمها زيزفون!

شاعرة وإعلامية من البحرين - القدس العربي 



مواضيع ساخنة اخرى
شاهد الفنانة سماح أنور: لم أشرب المياه منذ 17 عاماً شاهد الفنانة سماح أنور: لم أشرب المياه منذ 17 عاماً
20 قتيلا حصيلة المواجهات المسلحة داخل المنطقة الخضراء في بغداد .. بالفيديو 20 قتيلا حصيلة المواجهات المسلحة داخل المنطقة الخضراء في بغداد .. بالفيديو
الضمان الاجتماعي يقر مشروع القانون الجديد الأربعاء المقبل الضمان الاجتماعي يقر مشروع القانون الجديد الأربعاء المقبل
إدارة السجون: عدد نزلاء السجون تجاوز السعة الاستيعابية ليصل إلى 20 ألفا إدارة السجون: عدد نزلاء السجون تجاوز السعة الاستيعابية ليصل إلى 20 ألفا
الافتاء ترد على سؤال حول اختيار الام لزوجة الابن الافتاء ترد على سؤال حول اختيار الام لزوجة الابن
عمان : العثور على طفلة حديثة ولادة في الشارع عمان : العثور على طفلة حديثة ولادة في الشارع
استحداث تخصصات جديدة في الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة استحداث تخصصات جديدة في الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة
البدء بإعادة تأهيل أول جزء من طريق بغداد الدولي الأحد البدء بإعادة تأهيل أول جزء من طريق بغداد الدولي الأحد
الجيش الإسرائيلي يحبط محاولة تهريب مخدرات عبر الاردن - صورة الجيش الإسرائيلي يحبط محاولة تهريب مخدرات عبر الاردن - صورة
بالصور : التعامل مع عوائق على طريق جرش - عمان بالصور : التعامل مع عوائق على طريق جرش - عمان
لظهور زوجته مع راغب علامة.. الخارجية العراقية: سنتخذ إجراء بحق سفيرنا في الأردن لظهور زوجته مع راغب علامة.. الخارجية العراقية: سنتخذ إجراء بحق سفيرنا في الأردن
بالاسماء : انهاء خدمات موظفين في وزارة الصحة بالاسماء : انهاء خدمات موظفين في وزارة الصحة
إحراق المسجد الأقصى في ذكراه : إسرائيل تطمح لمحو المسجد من الوجود إحراق المسجد الأقصى في ذكراه : إسرائيل تطمح لمحو المسجد من الوجود
امير السعود  ...  توفي بعد انتهاء امتحانات التوجيهي وحصل على معدل 94 امير السعود ... توفي بعد انتهاء امتحانات التوجيهي وحصل على معدل 94
بالفيديو : شاهدوا حوادث السير بعد اعلان نتائج التوجيهي بالفيديو : شاهدوا حوادث السير بعد اعلان نتائج التوجيهي
القبض على الشخص الذي خطف الطفلة في الهاشمي بحالة " سكر " القبض على الشخص الذي خطف الطفلة في الهاشمي بحالة " سكر "