البحث عن الإقليم القاعدة

تم نشره الأحد 16 حزيران / يونيو 2019 12:40 صباحاً
البحث عن الإقليم القاعدة
د.باسم الطويسي

حالة رمادیة في السیاسة الاقلیمیة تختلف فیھا الصورة الذھنیة حول الذات، وطریقة تصور الآخرین من عاصمة إلى أخرى، وسط الصراع المحتدم منذ سنوات على ادوار قیادیة في الاقلیم، ولا تتورع ھذه العواصم عن استخدام عناصر القوة الصلبة وتتنافس بشراسة على مضامین القوة الناعمة للاستحواذ على مقعد الإقلیم القاعدة في منطقة تشھد تحولات واسعة ولا تصبح على ما تمسي علیھ. امتدادا من طھران إلى تل ابیب ومن الریاض إلى أنقرة وصولاً الى عواصم اقل شأنا تختلف المبررات والدوافع، كما یختلف إدراك كل طرف لحدود قدراتھ وقدرات الآخرین، ولطبیعة عناصر المنافسة وفوق ذلك وقبلھ تختلف رؤیة كل طرف لتوقعات الآخرین منھ، وعلى المستوى العربي تحدیدا اتاح الفراغ الذي تركتھ القاھرة نتیجة تراجعھا في التأثیر في التفاعلات الاقلیمیة فرصا ساھمت في الطموحات الجدیدة وفي حالتي الغموض والفوضى. مسارات التفكیر الاستراتیجي النشط حول ھویة الإقلیم القاعدة الذي سیقود المنطقة بعد التحولات الكبیرة التي مرت بھا، جعلت الوظیفة القیادیة الإقلیمیة شبھ مفقودة بعد مرحلة من التوازنات الھشة استمرت أكثر من عقدین، أخذت ھذه المسارات خلال الاشھر الماضیة المیل نحو العلنیة الخشنة في محاولة بعض الأطراف انتزاع الاعتراف بھا، في إشارة واضحة لحجم القلق الكبیر الذي ینتاب العواصم الإقلیمیة من خطورة الفراغ الاستراتیجي في الوظیفة القیادیة للإقلیم من جھة وحجم الفرص التي یتیحھا ھذا الفراغ من جھة أخرى، في حین لم تنل اي من العواصم الطامحة الحد الأدنى من شرعیة الزعم بأنھا باتت اقلیما قیادیا للمنطقة. ھویة الإقلیم ھي صلب الصراع على الدور القیادي بین الإقلیم العربي الذي شكلھ عبدالناصر في نھایة الخمسینیات من القرن الماضي وقارب على الزوال، وبین الإقلیم الجدید الذي یتشكل عبر ُ تفاعلات وعرة بین واشنطن وطھران وتل ابیب والریاض ، بینما یلخص الصراع على الدور الإقلیمي المركزي والأدوار الإقلیمیة المساندة خلاصة التفاعل السیاسي والاستراتیجي بین

عواصم القوة الواعدة التي تتوق لھذا الدور , وعواصم أخرى أتعبتھا صراعات الإقلیم وكلفھا وتحاول الحفاظ على الحد الادنى من القیم السیاسیة. لقد تغیر مفھوم الدور الإقلیمي والوظیفة القیادیة، ولم یعد الأمر یدور حول المقولات التقلیدیة للقیادة والریادة والسبق، بل یرتبط ھذا المفھوم في الاستراتیجیات المعاصرة بقدرة المنظومة الإقلیمیة على التفاعل الایجابي وتراكم المصالح فیما بینھا أكثر من الجانب الصراعي للمفھوم التقلیدي وھو أمر ما یزال بعیدا عن ھذه المنطقة حیث یبنى مفھوم الدور الاقلیمي ھنا بشكل مختلف وعلى اساس التعبئة والھیمنة. تعمل عوامل عدیدة في تحدید طبیعة سلوك مراكز القوة الإقلیمیة التي تتحفز للدور الجدید، أھمھا المنظور الأمیركي الإسرائیلي للمنطقة في ھذه المرحلة والقائم على تصور المنطقة الممتدة من باكستان إلى المغرب العربي فیما یسمى بالشرق الأوسط الكبیر منطقة مغلقة للمصالح الأمیركیة تقوم الولایات المتحدة بتحدید حجم التفاعلات الداخلیة فیھا وتوزیع الأدوار وتحدید حركة كل طرف وأنماط التحالفات، في حین تعمل قدر المستطاع على ان تبقى ھذه المنطقة معزولة استراتیجیاً عن تفاعلات القوى الدولیة الأخرى، أي احتكارھا استراتیجیاً من خلال سیاستي الإدماج الكامل كما یحدث مع المراكز المالیة على الخلیج العربي والتطویع والترویض أو التقطیع والتغییر كما یحدث مع إیران وسوریة، وعلى امتداد ھذه المساحة تشكل الصراعات المحلیة الوجھ الآخر لطریقة توزیع عناصر القوة والأدوار كما تراھا واشنطن وتل ابیب، یدرك الاستراتیجیون الأمیركیون ان المنطقة التي باتت تسمى مؤخراً في أدبیاتھم (ھلال الأزمات) ھي منطقة التوتر الأولى في العالم وھي البیئة الخصبة لازمات لا تنتھي، ومنھا أیضا ینطلق تغییر العالم مرة أخرى كما حدث في مرات سابقة آخرھا نھایة الحرب الباردة ، ویمتد ھلال الأزمات من أزمات باكستان وأفغانستان شرقاً مروراً بإیران والعراق وصولاً إلى الصراع الفلسطیني- الإسرائیلي ولیبیا والجزائر.

الغد - السبت 15-6-2019