المعلم والطبيب

تم نشره الإثنين 17 حزيران / يونيو 2019 12:42 صباحاً
المعلم والطبيب
عزت جرادات

(كتبت هذه المقالة... ثم جاءت دعوة المؤتمر في مكة المكرمة... وبعد العودة ... وجدتها مازالت مرتبطة بالواقع)
* مرة ثانية أو أكثر، أعود إلى الكتابة حول الاعتداءات على المعلم، والتي تختفي ثم تظهر بصورة أشدّ من سابقاتها... ثم عادت هذه الظاهرة لتشمل الأطباء...
ومما يلفت الاهتمام... أن هذا الثنائي، المعلم والطبيب... صاحب رسالة لخدمة (الإنسان) جانب النمو النفسي والعاطفي والاجتماعي والفكري، من جهة، وجانب الرعاية الصحية من جهة أخرى... ويمكن القول أن من أبرز سمات المجتمعات الواعية، ذلك التقدير المجتمعي لمقدمي الخدمة المجتمعية وبخاصة الإنسانية، ويأتي المعلم والطبيب كعلامة فارقة لتلك المجتمعات.
*لا يمكن النظر إلى الاعتداءات عليهما جزءاً من العنف المجتمعي... فذلك شأن آخر له وليست بموضوعنا هذا... فالبيئة التي يمارس فيها كل من المعلم والطبيب مهنته وواجبه تقتضي وتفرض وجود جو من العواطف الإنسانية المشتركة بين الإطراف المعنية... دونما سابق معرفة، مما يجعل نجاحهما في مهنتهما هو المحصلة النهائية ... نجاح العملية التعليمية- التعلمية، ونجاح الخدمة العلاجية الطبية.
*بالنسبة للاعتداءات على المعلم، فهي غريبة على البيئة التربوية، وكان السائد في المدارس هو (العقاب البدني) كوسيلة لتعديل السلوك، وأدركت المؤسسة التربوية أنها وسيلة خاطئة...واتجه النظام التربوي في الأردن إلى معالجة هذه الظاهرة، بالتأكيد على الدور المتغير للمعلم، منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، وكان أول تعميم رسمي لوزارة التربية والتعليم بمنع (العقاب البدني/ الضرب) في المدارس يصدر بتوقيع المربي الفاضل المرحوم الأستاذ بشير الصباغ، وكانت معالجة (الوزارة) لهذه الطاهرة ناجحة إلى حدِّ كبير من خلال التأهيل التربوي للمعلم، وكان دعم المجتمع المحلي للمعلم، متمثلاً بمجالس الآباء والأمهات تعزيزاً فعّالا لتصويب مسار العملية التربوية الآمنة...
ومع التطوير المجتمعي، كان المتوقع أن تصبح البيئة المدرسية أكثر أمناً، وأكثر تعاوناً مجتمعياً، وبالتالي أفضل نجاحاً....
ولذا، فأن اختلال هذه المعادلة، وتحوّل الآباء والأمهات مهما كانت الحالات محدودة، الى عناصر غير ايجابية في المدرسة، فتصبح الاعتداءات على المعلم/ والمعلمة ظاهرة مؤرقة للمجتمع وللمؤسسة التربوية بشكل خاص، فالأية المعتدي أو الأمم المعتدية على المعلم أو المعلمة، أنما يعتدي على الابن أو الابنة، نفسياً واجتماعياً، حيث يصبح ذلك الابن أو الابنة.... في حالة أشبه ما تكون (بالمنبوذ) أو (المنبوذة) في المدرسة، بشكل أو بآخر.
*أما بالنسبة للاعتداءات على الطبيب، فهي من الظواهر الغربية في المجتمع، فهي (جهالة) لايتحملها المريض، الذي يسلم نفسه لهذا (الحكيم)، كما كان يطلق عليه، والذي يكرّس كل إمكاناته ومعارفه ومهاراته الطبية لمعالجة الحالة الإنسانية التي بين يديه، وكان أهل المريض ينتظرون كلمته وابتسامته لتعزيز الأمل والارتياح نفسياً وشعورياً لديهم.
أن هذا التحوّل لدى أهل المريض، وظنهم بقصور الطبيب واهتمامه يعتبر ظاهرة سلوكية خطيرة لا تمت بصلة بالقيم والسلوكيات المجتمعية الأردنية فثمة خمس حالات اعتداءات طبية في أسبوع واحد، وحالات أخرى في الاعتداء على المعلم، تتطلب المزيد من الاهتمام المجتمعي والرسمي، باعتبار (حزمة الخدمات الاجتماعية: التعليمية والصحية والأسرية) من أساسيات أو أولويات الحاجات الإنسانية:
-فالإجراءات الإدارية الوقائية لدى المؤسسات التربوية والصحية والأسرية، مدعمة ببرامج مجتمعية للتوعية، وبأساليب فعّالة، تعتمد الصورة والكلمة والموقف) عبر مختلف الوسائل الإعلامية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والندوات المجتمعية المحلية في المدارس والمستشفيات والمنتديات والجمعيات الثقافية والاجتماعية، يكمن أن توصل الرسالة إلى المواطنين بتأثير كبير.
*لقد دعوت سابقاً، إلى وضع (ميثاق شرف) بعبارة قصيرة تؤكد احترام المجتمع لرسالة المعلم، وأضيف إليها رسالة الطبيب، في سجل لدى البلديات، ودعوة المواطنين للتوقيع... لعل الرسالة تصل للجميع....
*وأخيراً، يظل إعمال العقل هو المحرّك للسلوك الفردي والاجتماعي، وأتذكر عبارة للشاعر أحمد شوقي عندما رأى مشهداً عنيفاً بقوله:
(شيء ما في أعلى الرأس قد تعطل لديهما).

الدستور - الأحد 16 حزيران / يونيو 2019.