ما الذي يمنع "تحرير الشام" من إنهاء الوجود العسكري بإدلب؟

تم نشره الجمعة 04 تشرين الأوّل / أكتوبر 2019 07:23 مساءً
ما الذي يمنع "تحرير الشام" من إنهاء الوجود العسكري بإدلب؟

المدينة نيوز  :- تضيق الخيارات المتاحة أمام هيئة تحرير الشام يوما إثر يوم، وذلك عقب تبلور شبه إجماع دولي وإقليمي على ضرورة إنهاء وجودها العسكري بالصيغة التي هي عليه في إدلب.

وسَرت في الأيام الأخيرة أنباء عن ضمانات تركية لـ"تحرير الشام" بدمج عناصرها في تشكيل عسكري جديد، يتبع لوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، التابعة للائتلاف المعارض، وذلك في حال وافقت على الحل بشكل سلمي، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات عن الردود المتوقعة.

والسؤال الذي يتعين طرحه: ما هي الحسابات التي تؤخر إعلان "تحرير الشام" حلّ نفسها، وما الضمانات التي تريدها حتى تمتثل للضغوط الإقليمية والدولية، أم إنها ستختار الثبات على موقفها، برغم التبعات الكثيرة لذلك؟

ومجيبا على ذلك، أكد الباحث بالشأن السوري، فراس فحّام، أن فكرة حل "تحرير الشام" ليست مطروحة لدى قيادتها بالمرحلة الحالية.

الحفاظ على التأثير الأكبر

وقال : إن رؤية قيادة "تحرير الشام" تقوم على تشكيل مظلة جبهوية مع الفصائل الأخرى دون الذوبان الكامل، وبهذه الطريقة تحصل على غطاء شرعي نتيجة انخراط "معارضة معتدلة" معها في الكيان نفسه، وفي الوقت نفسه تحافظ على تماسكها تحسبا لمتغيرات قد تطرأ فيما بعد.

وأضاف فحّام: لا تمانع قيادة تحرير الشام من الاندماج مع فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير"، شريطة أن تبقى هي صاحبة التأثير الأكبر في القرار، وذلك عن طريق الهيمنة على فصائل مؤثرة ضمن التشكيل الجديد كالقيادة العسكرية.

ووفق الباحث، فإن "تحرير الشام" تعول على بقاء الظروف الحالية، على اعتبار أن روسيا ما تزال تلوح بالخيار العسكري في إدلب، وهذا من شأنه أن يعطيها مساحة للتحرك وتقديم نفسها أمام الحاضنة الشعبية والفصائل الأخرى كلاعب أساسي في صد الهجوم الروسي.

وبالمقابل تدرك "تحرير الشام" أيضا أن تركيا لا تعطي الأولوية حاليا لمنطقة إدلب، وإنما تفضل الحفاظ على الهدوء فيها، في ظل التركيز غير المسبوق على منطقة شرق الفرات، بالإضافة إلى قناعة قيادة "تحرير الشام" بعدم تفضيل تركيا للخيار العسكري ضدها، وإنما بالوسائل الدبلوماسية، وفق فحّام.

من جانبه، اعتبر الباحث بشؤون الجماعات الجهادية، خليل المقداد، أنه يتعين أخذ بعض الأمور بعين الاعتبار، قبل الحديث عن الحسابات التي تؤخر امتثال "تحرير الشام" لمطالب الحل.

وتابع: "معلوم بأن "تحرير الشام" أمام خيارات ضيقة، تتراوح بين القتال والتسليم، علما بأنها دأبت منذ بداية تشكيلها على الابتعاد عن أي مواجهة مباشرة قد تؤدي لاستئصالها، حيث كانت تراهن على الوقت لتشكيل جبهة شعبية عريضة تابعة لها، وفي الوقت نفسه كانت تتماهى مع المطالب الإقليمية والدولية والمزاج العام".

لكن وفق المقداد، فإن الوضع اليوم تغير عن السابق، موضحا: "اليوم لدينا وضع ضاغط، وهناك اتفاق تركي- روسي على حل "تحرير الشام"، كما أن هناك توافقا دوليا على تفعيل "اللجنة الدستورية"، للوصول في نهاية المطاف إلى ضم المعارضة إلى النظام شكليا، مع بقاء الأخير على ما هو عليه، كما قال.

هواجس "تحرير الشام"

وبالعودة إلى حسابات "تحرير الشام"، أشار الباحث إلى أن الأخيرة تنظر بقلق إلى ترافق الضغوط الدولية والإقليمية عليها، مع التحضيرات العسكرية والتهديدات بتدخل عسكري ضدها، من أطراف عدة، خارجية وداخلية من المعارضة.

وقال إن "هذه التهديدات، تدخل قيادة "تحرير الشام" في حسابات معقدة، حيث من المحتمل أن يتعرض قادة الصف الأول فيها للملاحقة والاعتقالات وربما الانتقام، في حال تفكك الهيئة عسكريا".

وبهذا المعنى، يعتقد أن "تحرير الشام" تبحث في الضمانات، وفي حال لم تكن هذه الضمانات مقنعة، ستصر على أن يكون لها الكلمة العليا في أي مكون جديد سيتم تشكيله لاحقا.

ويساعد "تحرير الشام" على فرض ذلك، أنها ما زالت رقما صعبا في الشمال السوري، والحديث للمقداد، الذي أضاف: "ما زالت "تحرير الشام" بقوتها، وفي صفوفها الآلاف من المقاتلين".

المراهنة على القوة

وأضاف المقداد، أن التفوق الجوي للنظام ولروسيا، ليس كافيا لاجتياح إدلب، مرجعا سياسة التقدم البطيء تجاه مناطق المعارضة التي تطبقها قوات النظام، إلى خشية الأخيرة من المواجهة المفتوحة.

وقال: "لقد وصلت الأمور إلى عنق الزجاجة، فأي تقدم جديد سيحشر "تحرير الشام" وفصائل المعارضة في الزاوية، ما يعني أن أي تقدم جديد ولو كان بسيطا سيقود إلى اندلاع مواجهة شاملة".

وبذلك، ووفق المقداد النظام، قد يلجأ إلى الرهان على تجييش الشارع ضد "تحرير الشام"، ونشر الفوضى من خلال أعمال الاغتيالات والتفجيرات.

وختم قوله بـ: "لا تمانع "تحرير الشام" في أن ترضخ لمطالب الحل، ابتعادا عن مواجهة شاملة معها، سواء من النظام أو من غير النظام، لكنها تريد أن يكون لها دور رئيسي في أي تشكيل جديد قبل الذوبان".

أما المحلل السياسي أسامة بشير، فرأى خلال حديثه لـ"عربي21" أن قرار حل "تحرير الشام" هو قرار خارجي، حيث ما زالت ترفض كل هذه المطالب.

وتابع أن "انصياع "تحرير الشام" لمطالب الحل، يستوجب التعامل مع الكثير من المسائل العالقة، وعلى رأسها مصير المقاتلين فيها، وتحديدا من قيادات الصف الأول".

وهنا أشار بشير إلى الأنباء التي تشير إلى احتمال تحول "تحرير الشام" من العمل العسكري إلى السياسي.

من جانب آخر، لفت المحلل إلى محاولة الأطراف الداعمة للمعارضة تأسيس "جيش وطني" في إدلب ودمجه بقرينه الذي تشكل في منطقتي "درع الفرات، وغصن الزيتون" في ريف حلب الشمالي، وقال: "قد يستقطب هذا التشكيل القوي عناصر "تحرير الشام"، ما يجعل من فرض الحل العسكري على القيادات الرافضة أمرا هينا".

ويبدو أن "تحرير الشام" تدرك تماما هذا المخطط، حيث أقدمت مؤخرا على فتح باب الانتساب إلى صفوفها، لينضم إليها نحو 2000 مقاتل جديد في غضون شهر أيلول/سبتمبر الماضي، وفق مصادر.

ماذا عن تركيا؟

وفي سياق الحديث عن الحلول المنتظرة للتعامل مع "تحرير الشام"، تتجه الأنظار نحو الدور التركي، وهنا اعتبر بشير أن "تركيا غير قادرة بالظروف الحالية على حل تحرير الشام، لأن ذلك لن يكون سهلا".

واستدرك: "لكن ذلك، لا يعني أن لدى تركيا القدرة على زيادة الضغط على "تحرير الشام" لدفعها إلى القبول بالطروحات الجديدة، وإن كانت مؤقتة".

وما يساعد تركيا على ذلك، وفق بشير، الرأي العام الشعبي المطالب بإنهاء "تحرير الشام"، وذلك لسحب الحجج والذرائع من روسيا، التي تبرر عملياتها العسكرية في إدلب، بسيطرة أطراف "إرهابية" على قرارها.

وتساءل بشير: "هل يرضخ الجولاني للرأي العام والقرار التركي؟"، وأجاب: "الأرجح ألا يستجيب لذلك، وقد ينجم عن ذلك عمل عسكري كبير، من شأنه زيادة تفاقم الوضع الإنساني في إدلب".

لكن مصادر مطلعة رجحت أن تستجيب "تحرير الشام" لمطالب الحل، مشيرة في هذا السياق إلى البراغماتية التي تتبناها قيادتها، خصوصا أن الرفض سيجعلها عرضة لحلول قد تؤدي إلى اجتثاثها، وتغيبيها عن المشهد برمته في سوريا.

يذكر أن مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، قد هدد في وقت سابق "تحرير الشام"، بالتدخل التركي، مرجعا ذلك إلى أن "بلاده لا تستطيع الدفاع والحفاظ على إدلب بوجود تحرير الشام".

المصدر : عربي 21