مطلوب من «المعلمين» أيضًا

تم نشره الجمعة 11 تشرين الأوّل / أكتوبر 2019 12:44 صباحاً
مطلوب من «المعلمين» أيضًا
حسين الرواشدة

لم أتردد – وغيري كثيرون- في الانحياز لمطالب المعلمين في  رد الاعتبار والعلاوة، كنا بالتأكيد، نعبّر عن ضمير المجتمع الذي افزعه تراجع قيمة المعلم، وكنا –ايضا- ندافع عن حق ابنائنا في تعليم جيد، وقد اسعدنا ما انتهى اليه الاضراب الاخير، فالمعلمون عادوا الى مدارسهم «مرفوعي» الرأس، والتلاميذ استقبلوهم بحفاوة غير مسبوقة ، وربما خطر في بال الكثيرين منهم «امل» بان يصبحوا معلمين بعد ان كانت هذه الوظيفة –على امتداد عقود مضت - ملجأ لمن لا حظ له ولا نصيب.
 الآن، حصل المعلمون على حقوقهم وتحرروا من الاحساس بالظلم والتهميش،  واستعادوا «عافيتهم» التي افتقدوها،  ومن حق المجتمع عليهم ان يردوا اليه التحية بأحسن منها، اما كيف؟ فأعتقد ان اولوياتهم يجب ان تنصرف من هذه اللحظة الى «اصلاح» انفسهم من الداخل،  وارجو هنا ان نعترف بان ثمة اخطاء قد حدثت من قبل العاملين في هذا القطاع وثمة تقصير قد حصل.
لا اعمم، ولكن الواقع يؤكد ان بعض اخواننا المعلمين «انحرفوا» عن خط المهنة، وخلطوا بين «التعليم والتجارة» وربما دفعهم احساسهم بالظلم الذي وقع عليهم الى «ظلم» الطلبة ايضا، الامر الذي يحتاج منهم الى مراجعة امينة تستهدف –فيما تستهدف- اعادة مهنة التعليم كما كانت «ايام زمان» ، وقيمة المعلم ومكانته كما عهدناها، وقد يتطلب ذلك اصدار «مدونة» سلوك يلتزم بها كل المعلمين وفيها تحسم العلاقة بين التعليم والمتاجرة به، وتسترد «اخلاقيات» المهنة، وتحل مسألة الدروس الخصوصية، وتصبح المدارس الحكومية في مستوى ادائها افضل او مثل المدارس الخاصة، وننتهي عندها من «عقدة» الفشل التي ارتبطت في اذهان طلابنا بتقصير معلميهم ، او معاملتهم بمنطق «الموظف» لا بمنطق المعلم بكل ما تحمل رسالته من قيم واخلاقيات.
 لا يراودني اي شك بان استعادة المعلم «للكرامة» ستنعكس ايجابا على الطلبة وعلى المجتمع، لكن يجب ان لا نتوقف فقط عند اللحظة ثم نسترخي، وانما لا بد ان نفتح عيوننا على اداء اخواننا المعلمين بالعتب والمراقبة لا المحاسبة، وبالنصح والتوجيه لا المزايدة ، ومع ان وزارة التربية والتعليم -والنقابة ايضا - تتصدى لمهمة الاشراف والمحاسبة الا ان المهم هو «يقظة» ضمير المعلم لكي يراقب نفسه بنفسه ، اذ لا يمكن ان يخصص لكل معلم مشرف داخل غرفة الصف،  والاهم هو ارادة المعلم لاستعادة «قيمته» في المجتمع بالنموذج الذي يقدمه ، واذا كان قد استطاع ان ينتزع حقوقه  فمن واجبه ان ينتزع من جديد احترام المجتمع له، وثقته به وهذا يعتمد عليه اولا واخيرا.
 في هذا الاطار، نتطلع الى مبادرات جديدة من اخواننا المعلمين، مبادرات توثق علاقتهم مع مجتمعهم وتطمئنه على انهم خرجوا من «قمقم» المظلومية ، ومبادرات «تنصف» تلاميذهم وترتقي بوعيهم وادائهم الاكاديمي ، ومبادرات «تحرر» مناهجنا التعليمية من الاسهاب والحشو وتعيد اليها «روحها» الوطنية ،  ومبادرات تسمو بقيمة العلم والابداع وبالتعليم واساليبه «وبالعقل» والوجدان ايضا.
 باختصار، حصل المعلمون على حقوقهم ونحن نشد –وسنبقى- على اياديهم لتحقيق ما يتطلعون اليه ، لكن من واجبهم ان يعيدوا لمجتمعهم ولطلبتهم حقوقهم ايضا، ومن واجبهم ان يقدموا لنا نماذج جديدة افضل لكي يصبح ابناؤنا افضل وتعليمنا افضل. اثق بانهم سيفعلون ذلك ..وسنبقى نراقب وننتظر.

الدستور - 

الخميس 10 تشرين الأول / أكتوبر 2019.