قبل ان يسوقوها الى « المسلخ»

تم نشره السبت 18 كانون الثّاني / يناير 2020 12:34 صباحاً
قبل ان يسوقوها الى « المسلخ»
حسين الرواشدة

للدين رب يحميه، هذا صحيح، لكن اليس من واجبنا ان ندافع عن حقنا في الحياة وفي التفكير والكرامة ، اليس من واجبنا ان ننهض للرد على هذه الافتراءات التي تسوّق باسم التنوير ، وهذه الجهالات التي لم تشهدها امتنا في اسوأ مراحل تخلفها، تسألني : كيف؟ اقول لدينا مجالان اثنان يمكن ان نتحرك فيهما ، الاول مجال التدين الغلط الذي اعطى لهؤلاء مبررات للهجوم على الدين ، واصحابه هنا كثر ، منهم الحمقى الذين اختطفوا الاسلام ورفعوا السكاكين باسمه، ومنهم الذين انحازوا للقمع والاستبداد السياسي واصبحوا شركاءه، ومنهم الذين ركبوا موجة الدين «عن غير علم» لتحقيق مصالحهم ، اما المجال الآخر فهو مجال خصوم الدين ، من الذين ينطقون لغتنا وينتسبون لديننا ، سواء الذين اشهروا عداءهم له وتطرفوا بمواقفهم ضده ، او الذين استثمروا بالارهاب لالصاق تهمته بالدين ، او غيرهم من «الابناء الناجزين» الذين تحولوا الى ابواق تردد ما يريده الآخر ، وتنفذ ما يطلبه منهم دون وازع من وعي او ضمير.
من جهتي لم اتردد  في نقد بعض الافكار الاسلامية التي خاصمت الحياة واستعدت الآخر، وبعض الاجتهادات الفقهية التاريخية التي انتهت صلاحيتها واصبحت بحاجة الى تجديد، وبعض انماط التدين المغشوش التي كرست لدى المسلم حالة من الشيزوفرينا  وحولته الى  آلة  تتحرك بأوامر محددة ثم تتوقف، وكأن الدين الذي يحركها احيانا مرتبط بمواقيت للتشغيل واخرى للتعطيل، كما انني لم اتردد بانتقاد فصل الاحكام والتكاليف عن آثارها ومآلاتها او عن ما يجب ان يترتب عليها من اخلاقيات عامة، وهي اكبر فاجعة اصابت حركة الدين في حياتنا حين تحول الى طقوس وعادات لا علاقة لها بالسلوك الانساني ولا بحركة الحياة التي استخلفنا الله فيها من اجل مواجهتها بالبناء والتعمير والاصلاح والتغيير.
لكن، على طرف الخصوم  يمكن ان اقول : حين يكون «رأس» الدين مطلوبا ، لاتقع مسؤولية الرد على علمائنا ومؤسساتنا الدينية التي تتعرض لموجة شرسة من الاتهامات والاساءات، وانما علينا جميعا ، لان محاولات هدم الدين  في حياتنا ، وحذفه من مناهج تعليم ابنائنا ، وتشويه صورته لدى اجيالنا ، تستهدفنا افرادا ومجتمعات، فهي تريد ان  تجردنا من هويتنا ، وتلحقنا في قائمة الامم التي لا تاريخ لها ولا حضارة ، وتجعلنا مجرد شعوب طارئة تحركها غرائز الاستهلاك والانتقام، ويسوقها الاخرون الى «المسلخ» دون ان ترفع «سبابتها» للرفض ، ودون ان تستشعر استعلاء كرامتها بالدين لتقول : لا..!.
كان يمكن بالطبع ان نستسلم لمنطق هؤلاء في محاكمة الدين على مسطرة الواقع لو لم يكن لدينا تجربة افرزنا منها بفضل الدين حضارة ما تزال شواهدها قائمة حتى وقتنا الحاضر، فقد كان الدين بالنسبة لامتنا – كما كان لغيرها من الامم – باعثا للتحرر من الغزاة والمستعمرين، ودافعا للتحضر واليقضة والازدهار ، ودليلا لمواجهة الظلم والاستبداد ، لكنه حين تعرض ، كما تعرضت امتنا ، لموجات عاتية من التشكيك والاستهداف والمحاصرة والاستحواذ افرز اسوأ ما لدى ابنائه من افكار ، وبدل ان يستأنف دوره الذي بدأه في انتاج التحضر الانساني اصبح للاسف منتجا للاستبداد والتخلف، لا لانه كذلك وانما لان الذين استخدموه ووظفوه وحشروه في سجونهم تواطأوا على استدراجه لكي يقع في الفخ الذي نصبوه لنا وله ايضا.

الدستور 

الجمعة 17 كانون الثاني / يناير 2020.