أمير المؤمنين يحلم بالفلسفة

تم نشره الخميس 23rd كانون الثّاني / يناير 2020 02:30 مساءً
أمير المؤمنين يحلم بالفلسفة
تعبيرية

المدينة نيوز:«وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه قال إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين وبعد وفاة أرسطوطاليس في الإسكندرية… وانتقل تعليم الفلسفة إلى أنتاكيا ..وسار إلى بغداد»
ابن أبي أصيبعة

ما يميز هذه الشهادة لابن أبي أصيبعة أنها حملت إلينا وجود كتاب ظهور الفلسفة للفارابي، ومن الطبيعي أن هذا الكتاب لو لم يحسم في هذه العلاقة الغريبة بين العقل البدوي والفلسفة، مادام أن حكاية ظهور أرسطو للمأمون في منامه، مجرد خرافة موجهة للعامة. من أجل تبرير مشروع الخليفة العباسي، الذي أراد جعل مذهب المعتزلة العقلاني مذهبا للدولة، خاصة أن الصراع مع الخليفة الأموي في دمشق كان خلافا أيديولوجيا، وإلا ما معنى تلك الرواية التي يحكيها ابن النديم من أن الحوار الذي دار بين الخليفة وأرسطو، حول مفهوم الخير، دفع الفيلسوف إلى حث الخليفة على إعلان وحدانية الله. وكأننا نوجد أمام أرسطو الفقيه والمتكلم، الذي يسعى إلى حماية الخلافة العباسية من تمرد أنصار الخلافة الأموية، فهل كان ضحية هذا الصراع الأيديولوجي حول السلطة؟ وهل كان الفلاسفة أغبياء إلى حد تصديق خرافة الحلم بأرسطو؟ وكيف استطاع هذا الحلم أن يؤسس مشروعا عقلانيا لدولة ثيولوجية؟ بل لماذا أرسل وفدا إلى بلاد الروم من أجل حمل الكتب العلمية والفلسفية والرجوع بها إلى بغداد وترجمتها وتعليمها لزمن قصير؟ وما معنى كتب مسموح بها «المنطق « وكتب ممنوعة من التدريس العمومي؟
في هذا الفضاء الملتبس يتم استثمار الفلسفة، لتحقيق هدف معين، ثم الانقلاب عليها، وما كان يجهله ابن النديم أن أرسطو نفسه كان ضحية ميثولوجية الخلافة في الإسلام، لأن المعلم الأول لا يتحدث عن وحدانية الله، ولكنه ذكر في ما بعد الطبيعة، المحرك الأول والعقل الفعال، والوجود الأول وغيرها من المفاهيم الميتافزيقية، وأما جعله يتكلم بقول مناسب للمعتزلة، أي إرغام الفيلسوف على السقوط في أحضان علم الكلام، والقيام بتحصين العقيدة من المخالفين لها، ولعل هذا ما يمكن تسميته بتزوير الحقيقة. ففلسفة أرسطو مضادة لعلم الكلام. بالوسائل والغايات، وربما أن تدمير كتاب ظهور الفلسفة للفارابي كان سببه هو تعارضه مع الخرافة، التي روج لها ابن النديم، ذلك أن كتاب الفارابي كان سيحمل إلينا الحقيقة، بيد أن أعداء الحقيقة قاموا بإعدامه، لكن ما علاقة ميثولوجية الخلافة بالفلسفة؟ بل وما علاقتها بمحنة الفلاسفة؟ ولماذا أن هذه الميثولوجية ظلت تتحرك بالاستراتيجية الأيديولوجية نفسها إلى يومنا هذا؟ وبعبارة أخرى: هل الأبستيمي الذي كان سائدا في بغداد المأمون هو نفسه في قرطبة أبو يعقوب؟ وهل استمر هذا الأبستيمي إلى زمننا هذا؟

الحلم بالفلسفة وتهمة الزندقة

هناك حكاية مطابقة لحلم المأمون بأرسطو ومحاورته وتطبيق نصائحه في السلطة، فالخليفة الموحدي حلم أيضا بأرسطو وأراد ترجمة هذا الحلم إلى مشروع لدولته، لذلك نجد المؤرخ عبد الواحد المراكشي، يذكر هذه الخرافة، بدون أن يخجل من نفسه، ومن أجل البرهنة على صحة الخرافة، يفتح حوارا بين ابن رشد والخليفة الموحدي، ويستحضر ابن طفيل، تقول الحكاية على لسان ابن رشد ورواها المراكشي: «استدعاني أبو بكر ابن طفيل يوما فقال لي: سمعت اليوم أمير المؤمنين يشتكي من قلق عبارة أرسطوطاليس، أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول لو وقع لهذه الكتب من يلخصها، ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس».

مهما يكن هذا الخراب مؤلما، فإن مؤرخ البلاط لا يعتمد إلا على ما يسمح به محيط الخليفة، فهو عندما يتحدث عن علاقة الخليفة بأرسطو، يستعمل لقب أمير المؤمنين وبرر رغبته في قراءة الفلسفة وتدريسها في المدارس بالحلم.

لو صدقنا هذه الحكاية الطريفة، لكان اندهاشنا أكبر أمام انقلاب الخليفة الموحدي نفسه على هذا المشروع الرامي إلى شرح كتب أرسطو، بعدما تمت ترجمتها في بغداد زمن المأمون، فسافر أرسطو من بغداد إلى مراكش، لكن الحكم على الفلسفة بتهمة الزندقة وإحراق الكتب ظل هو نفسه، ذلك أن محنة الكندي هي محنة ابن رشد ذاتها، كما أن عبد الواحد المراكشي لا يختلف عن ابن النديم فهما معا يفتقران إلى الفكر الفلسفي، فكيف استطاعا إدراك التفكير المعقول واستعراضه؟ والحال أن قوة المراكشي تبدو في تحليله لأسباب نكبة ابن رشد، ومحنة الفلسفة وفرض حالة الاستثناء على مجموعة من الفلاسفة والعلماء. فحسب المراكشي أن لهذه النكبة سببين: جلي وخفي، حيث نجده يقول: «وفي أيام يعقوب المنصور نالت أبا الوليد بن رشد محنة شديدة، وكان لها سببان: جلي وخفي، فأما سببها الخفي وهو أكبر أسبابها، فإن الحكيم أبا الوليد، رحمه الله، أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطوطاليس .. فقال في هذا الكتاب عند ذكر الزرافة وقد رأيتها عند ملك البربر.. ثم إن قوما ممن يناوئونه من أهل قرطبة أخذوا بعض التلاخيص، فوجدوا فيها بخطه: فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة «فأوقفوا أبا يوسف على هذه الحكمة، فاستدعاه.. وقال له أخطك هذا، لعن الله كاتب هذا الخط، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أمر بإخراجه على حال سيئة وأمر بإحراق كتب الفلسفة». إذا كان حاكي الكفر ليس بكافر، وابن رشد لم يكن سوى شارح لكتب أرسطو، فإن هذا السبب الخفي الذي جاء به المراكشي غير مقنع، لأن الانقلاب على الفلسفة لا يمكن إرجاعه إلى مجرد تصفية حساب مع فيلسوف واحد أخطأ، واستغلال هذا الخطأ من أجل إحراق كل الكتب الفلسفية والعلمية، وترك كتب الطب والفلك والحساب. وإلا سيكون هذا الخليفة مجنونا لا يميز بين الحكمة والغضب، والحال أن ما لم يدركه المراكشي الذي كان قريبا من عصر ابن رشد، أن دولة الخلافة تتأسس على التناقض بين الحزب الديني والحزب العقلاني، ولذلك فإنها تنتصر لمن له امتدادات في الجمهور، فكلما تقوى الحزب الديني فرض الحصار على العقل، وأمر بتدمير الفكر والشاهد على ذلك ما نعيشه الآن من خراب يشبه ما عاشه ابن رشد.

قدر الفلسفة العربية حزين

مهما يكن هذا الخراب مؤلما، فإن مؤرخ البلاط لا يعتمد إلا على ما يسمح به محيط الخليفة، فهو عندما يتحدث عن علاقة الخليفة بأرسطو، يستعمل لقب أمير المؤمنين وبرر رغبته في قراءة الفلسفة وتدريسها في المدارس بالحلم. لنفترض أن الخليفة العباسي لم يحلم بأرسطو، فهل كان الخليفة الموحدي سيحلم بهذا الفيلسوف؟ ولماذا أرسطو بالذات؟ وما علاقة هذا الحلم بالتحول من المذهب الأشعري إلى المذهب المعتزلي؟ بل وما علاقته بإحراق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي؟ ربما تكون هذه اللعبة الأيديولوجية قد فرضت نفسها في كل دولة ثيولوجية يسودها الاستبداد الديني وغياب السياسة المدنية، ليس سوى استثمار أيديولوجي ضد التيار الأصولي المعارض من أجل امتصاص غضبه، وبعبارة أخرى، فالعودة إلى الفلسفة لا يكون بالذات وإنما بالعرض، لأن مصيرها هو التدمير لجلب المتعة للخليفة ومحيطه، لأن الجهل يخرب ما يشيده العقل، فإحراق الكتب بالنار طقوس شيطانية لا يقوم بها سوى أهل المدينة الجاهلة. فالمأمون كان طفلا مدللا يحلم في الليل ويحقق أحلامه في الصباح، وأبا يوسف كان طفلا مدللا أيضا يحلم ويلعب بأحلامه، لكن الفلسفة تحولت إلى لعبة للتسلية، والفيلسوف إلى بطل خرافي يحقق رغبة أمير المؤمنين.
يا له من قدر حزين هذا الذي عاشه الفيلسوف في أرض الإسلام، فهو مضطر للقول: «قال لي أمير المؤمنين، ما رأيهم في السماء أقديمة أم حديثة؟». فإن هذا السؤال لا علاقة له بالفلسفة، بل إنه سؤال جدلي سيطر على المناظرات الكلامية، وكان الصراع حادا بين الأشاعرة والمعتزلة إلى درجة أنه كان أهم الأسباب التي أدت إلى اختفاء المعتزلة، وسيطرة الأشاعرة على الإسلام الرسمي. فالفيلسوف ليس مجنونا ليخالف ما جاء به الكتاب المقدس، ولذلك فإن امتحان ابن رشد كان يشبه امتحان الكندي وزعماء المعتزلة. ولعل أكبر شاهد على ذلك أن عمر الفلسفة كان قصيرا هنا وهناك، ولذلك نجد جمال الدين العلوي يشك في رواية المراكــشي ويعتبرها مجرد حكاية مرتبطة بحكاية الحلم بأرسطو، حيث نجده يقول: «نستعيد ها هنا حكاية طريفة لا تخلو من وجاهة بالنظر إلى معطيات نصوص ابن رشد نفسها». ما يجعل هذه الحكاية طريفة هو ربطها الانفتاح على الفكر الفلسفي وتسخير إمكانية الدولة، بمزاج أمير المؤمنين، فهو قادر على جعله يزدهر كما هو قادر على تدميره. قد يكون جدل التجلي والخفاء هو أهم حجة للمستشرقين تم استثمارها في هجومهم على العقل العربي، واتهموه بالتعصب الديني، ودفاعه عن الانحطاط، فنكبة ابن رشد امتدت على مساحة شاسعة من كتاب ابن رشد والرشدية لرينان. الذي قال بأنه بموت ابن رشد ماتت الفلسفة في الإسلام، ذلك أن العقل السامي لا يتحمل الفلسفة والتفلسف، بل اصطدم بها صدفة، ثم ندم.

٭ كاتب مغربي