مصابات أردنيات بالايدز : نتمسك بحقنا في العلاج والإنجاب بسرية

تم نشره الخميس 27 شباط / فبراير 2020 12:10 صباحاً
مصابات أردنيات بالايدز : نتمسك بحقنا في العلاج والإنجاب بسرية
ايدز - ارشيفية

المدينة نيوز :- وقعت متعايشات أردنيات مع مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في دوامة جدلين أخلاقي وقانوني حول “إجبارية أو اختيارية الكشف عن مرضهن المعدي” لمقدمي الرعاية الطبية في القطاعين العام والخاص، عقب تعرضهن لجملة من الانتهاكات “الصارخة” التي اخترقت خصوصيتهن وكشفت عن أسرارهن.
تجارب هؤلاء “المتعايشات” المتراكمة مع ردات فعل القطاعين الطبي والتمريضي، دفعتهن للتخفي خلف جدار الصمت والتشبث بحقهن في العلاج والإنجاب بسرية، معتبرات أن إخفاء المعلومات ليس “انتقاميا” وإنما يولد ك”ردة فعل من سوء تعامل بعض الكوادر الطبية والتمريضية”، في وقت يحذر خبراء في القطاعين الطبي والقانوني من خطورة عدم تبليغ مقدمي الرعاية الصحية بهذا المرض المصنف عالميا ب”الساري”، وهو ما يشكل “قنبلة موقوتة” في المجتمع.
غير أن “المتعايشات” يعولن كثيرا، بحسب قولهن، على “عملية ضبط العدوى ومدى التزام مقدمي الرعاية الصحية بشروط السلامة العامة في المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الطبية وتعقيم الأدوات المستخدمة أو استعمال تلك الأدوات مرة واحدة بصرف النظر عن ارتفاع تكلفتها”.
وكشفت الأرقام الراشحة من المركز الوطني لمكافحة “الإيدز” التابع لوزارة الصحة عن 9 إصابات جديدة لأردنيات العام الماضي، ليصل العدد الإجمالي الى 87 سيدة منذ تسجيل أول إصابة العام 1986.
“قنبلة موقوتة” في زمن انتشار الأوبئة
ويرى خبراء أن الجدلين “القانوني والطبي حول التصريح بالمرض” هما بمثابة “ثغرة واضحة في برامج التوعية والفحص الطوعي للبرامج الوطنية المعنية بمكافحة الإيدز وعجزها عن الوصول الى مصابين جدد أو الفئات الأكثر اختطارا، وهم الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال، والمتعاملات بالجنس مقابل المال، والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بإبر ملوثة”.
لم تع المتعايشات مع فيروس “الإيدز”، “أن قوانين طبية أردنية كفلت للطبيب عدم تقديم الخدمة والاعتذار لأسباب مهنية أو شخصية، فيما عدا حالات الإسعاف والطوارئ وإنقاذ الحياة، على أن يجد له البديل من بعد إنساني”، بحسب مؤسس مبادرة “القانون والإيدز” المحامي محمد الناصر.
ولتوضيح البعد القانوني حول خطورة عدم التبليغ عن الإصابة بمرض معد بشكل قصدي، أوضح الناصر أن هذا الفعل يشكل “جريمة” يعاقب عليها القانون الأردني، والمحكمة هي من يستخلص النية من وقائع الدعوى الجزائية “اذا أخفت المصابة مرضها عن قصد واتجهت نيتها الى تحقيق ذلك، أو ارتكبت جريمة توفر فيها القصد الاحتمالي، بمعنى أنها رضيت بالنتيجة ووافقت عليها”.
وفي حال وقع الضرر على مقدم الرعاية الطبية ولجأ للقضاء، أشار الناصر الى “أن المحكمة تقرر حجم الضرر الذي يقدره أصحاب الخبرة، خاصة إذا توافرت الأركان المعنوية والمادية والعلاقة السببية”.
قانون الصحة العامة وتعديلاته يشير في البند الخامس- الأمراض المعدية (المادة 22) الى أن “كل من أخفى عن قصد مصابا أو عرض شخصا للعدوى بمرض وبائي أو تسبب عن قصد بنقل العدوى للغير أو امتنع عن تنفيذ أي إجراء طلب منه لمنع تفشي العدوى، يعتبر أنه ارتكب جرما يعاقب عليه بمقتضى أحكام هذا القانون”.
فيما حظر قانون المسؤولية الطبية والصحية لسنة 2018 على مقدم الخدمة “إفشاء أسرار متلقي الخدمة التي يطلع عليها أثناء مزاولة المهنة (…) باستثناء حالات معينة حددها القانون ذاته”.
ولم يغفل دليل “الطب والطبابة” الحديث عن واجبات الطبيب التي تركز على “صون سر مريضه الذي ائتمنه عليه لأن الإخلال يؤدي الى كتمان المريض بعض المعلومات التي تحدد سير العلاج”، مؤكدا “أهمية إيجاد حل عندما يرفض معالجة أي مريضٍ في غير حالات الطوارئ والإسعاف لأسباب مهنية أو شخصية، وفي حال قبول المريض عليه رعايته وبذل كل جهد لتقديم العناية والعطف والإخلاص”.
وفي موازاة ذلك، تعمل جمعية “سواعد” للتغيير المجتمعي على الفصل في الجدل القانوني من خلال “الاستعانة بخبيرين في حقوق الإنسان والقوانين الأردنية لدراسة إجبارية أو اختيارية التبليع بما يكفل عدم انتهاك حقوق المريضات في السرية”، بحسب مديرها الدكتور عبدالله الحناتلة الذي أكد “أن مؤشرات التمييز بحق المتعايشات ترتفع كثيرا في أماكن تقديم الخدمات الصحية في المستشفيات والمراكز الصحية”.
واقترح الحناتلة، المدير السابق للبرنامج الوطني لمكافحة “الإيدز”، وضع استراتيجية جديدة لمكافحة المرض بعد أن حصلت وزارة الصحة على مساعدات دولية جديدة تقدر بـ5 ملايين دينار نهاية العام الماضي، من دون إغفال وضع إجراءات عقابية رادعة بحق كل من يمتنع عن تقديم الخدمات العلاجية للأشخاص المتعايشين مع الفيروس أو ينتهك حقوقهم وكرامتهم.
يشار الى أن وزارة الصحة حصلت العام 2007 على 1.25 مليون دولار أميركي من الصندوق العالمي للحفاظ على مستوى منخفض لانتشار فيروس “الإيدز” بين الأردنيين.
تشويه سمعة العيادات وخسارة الزبائن
حجج “واهية” اعتبرتها المتعايشات مع المرض عندما يعتذر مقدم الخدمة عن عدم علاجهن، مثل “الادعاء بالسفر أو عدم الاختصاص، فيما يذهب البعض الى اقتراح أسماء أخرى من زملاء المهنة الطبية”.
“الغد” استطلعت آراء عدد من أطباء النسائية والتوليد والأسنان في القطاعين العام والخاص، الذين عبروا بـ”خجل” عن رفضهم تقديم الخدمة للمتعايشات مع الإيدر خوفا من “تشويه سمعة عيادتهم وخسارة مرضاهم إذا تسلل أي خبر عن علاج هؤلاء المتعايشات”، فيما ترفض بعض الممرضات “حقن مصابات بإبر وريدية خوفا من انتقال الفيروس إليهن، خاصة في القطاع الحكومي”.
ورغم أن علاج الأمراض السارية ما يزال مثار نقاش بين الأوساط الطبية والتمريضية، تؤكد نقابة الأطباء “عدم إصابة أي من كوادرها بفيروس الإيدز بشكل قصدي حتى الآن”، بحسب رئيس لجنة الصحة العامة في النقابة الدكتور بسام الحجاوي، الذي أكد “أن التبليغ عن المرض المعدي يحمي طرفي المعادلة المريض والطبيب ويحد من تهديد الأمن الصحي في الأردن”.
ويؤكد نقيب الأطباء السابق الدكتور أحمد العرموطي “عدم رصد إصابات بين الأطباء بهذا المرض المعدي طيلة توليه إدارة النقابة بين الأعوام 2009-2013”.
رئيس لجنة المهنة بنقابة الأسنان الدكتور إبراهيم الهبارنة، يؤكد بدوره “أن النقابة لم ترصد انتقال الفيروس من مريض الى أي طبيب أسنان”، لافتا الى أنه “وبسبب شدة ألم الأسنان، فإن المصاب بالإيدز ربما يكتم إصابته بالمرض كي يحصل على العلاج”، داعيا الإطباء الى “تحديد ماهية الحالة الطارئة التي تجبر الطبيب على علاج مريض الإيدز”.
طبيب: “بدكم حرق.. لسا بتفكروا تخلفوا”
“بدكم حرق انتو لسا بتفكروا تخلفوا أطفال”، عبارة وقعت كـ”الصاعقة” على مسامع المصابة (سمر) عند مراجعتها أحد أطباء النسائية والتوليد في عمان.
الثلاثينية (سمر) تزوجت قبل 5 أعوام من رجل مصاب نقل الفيروس إليها من دون علمها، وحملت بطفل غير مصاب، إلا أنها واجهت مشكلتين؛ الأولى نظرة بعض الأطباء إليها وكأنها “عدوة لهم وتريد أن تنشر الفيروس”، والثانية ارتفاع تكلفة “الحمل”، الذي تم من خلال عملية طفل الأنابيب الذي لُقح اصطناعيا في رحمها.
لم تبلغ المتعايشة سمر -اسم مستعار- أي طبيب بعد هذا الموقف “اللاإنساني” عن إصابتها، فباتت تتلقى علاجها بكل سهولة، وحسب ما أكدت، فإنها “تتسلح بمعلومات طبية جيدة حول طبيعة مرضها تؤهلها للتعامل مع أي مضاعفات صحية قد تواجهها”.
لكن مديرة البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز الدكتورة هيام المقطش، أقرت بـ”سلوك التمييز الذي يمارسه أغلب من يعمل في القطاعين الطبي والتمريضي بخصوص تقديم الخدمة لمتعايشات”، لافتة الى “أن البرنامج يتابع أي شكوى ليصار الى حلها مباشرة”.
وأوضحت المقطش “أن الوزارة خصصت مستشفيي البشير والأمير حمزة الحكوميين، بالإضافة الى المراكز الصحية الشاملة، لعلاج مرضى الإيدز مجانا، غير أن المتعايشات من تجاربهن المحبطة مع الطواقم الطبية يفضلن الهروب الى القطاع الخاص”.
وتختلف تجربة الثلاثينية عبير -اسم مستعار- عن المصابة سمر، فقد رفضت أكثر من طبيبة نسائية وتوليد إجراء عملية قيصرية لها عند ولادتها، فلجأت إلى أحد المستشفيات بحالة طارئة وأبلغتهم عن مرضها لاتخاذ الإجراءات الوقائية لضبط العدوى.
“الحمد لله رزقني الله بطفلة غير مصابة، لن أرضعها مني حتى لا أنقل لها الفيروس”، تقول عبير التي تزوجت قبل عام من رجل مصاب، فلجأت الى القضاء وطلبت الطلاق منه “ليس فقط بسبب نقل الإصابة إليها، وإنما أيضا لاستمرار تعنيفه لها وإدمانه على المشروبات الكحولية”.


أما أزواج المريضات اللواتي انتقل إليهن الفيروس من أزواجهن من دون علمهن، فمنهم من توفي بسبب مرضه والآخر انفصل عن زوجته بعد أن طلبت الطلاق منه في المحكمة، بينما فضلت مصابات العيش مع أزواجهن لتربية أطفالهن بصمت.
وفي السياق ذاته، دعت المستشارة الأسرية د. هند ناصر الدين، المتعايشات مع الفيروس، الى “الابتعاد قدر الإمكان عن التفكير السلبي وزيادة مفهوم التقدير للذات وتعزيز نقاط القوة”، مقترحة “أن تلجأ المتعايشات الى الاندماج بالمجتمع؛ كممارسة الأعمال التطوعية، والسعي للعمل في أي قطاع، بما فيه المنزلي، لتوفير دخل لائق لهن”.
إجبارية التبليغ قبل وأثناء عملية الولادة
تروي المتعايشة الثلاثينية لميس، لـ”الغد”، صدمتها حين “رأت ممرضات يهربن من حولها في مستشفى البشير الحكومي” عندما دخلت بحالة طارئة بسبب نزيف دموي ناجم عن إجهاضها لجنين.
حدث ذلك قبل أعوام عدة، وكانت المريضة برفقة والدتها التي عجزت عن التصرف مع الكادرين الطبي والتمريضي، ما اضطر المصابة الى استدعاء مرشدة اجتماعية من المركز الوطني لحل المشكلة، حسب قولها.
ونتيجة لتجاربها المتكررة من انتهاك خصوصيتها وكشف سرها، قررت المصابة لميس التي ستخضع لعملية تلقيح طفل أنابيب قريبا في أحد المستشفيات الخاصة عدم تبليغ طبيبتها أثناء ولادتها القيصرية.
ويرى رئيس الجمعية النسائية الأردنية السابق الدكتور عبد المالك عبد المالك “أن التلقيح الصناعي للمصابات بالإيدز ومتابعتهن صحيا قبل وأثناء ولادتهن ليس بالأمر السهل علميا ووقائيا”.
يقول “الولادة القيصرية للمصابة تحتاج الى فريق مدرب من تمريض وتخدير، وتحضير مسبق لغرفة العمليات للوقاية من انتقال الفيروس بأي طريقة محتملة”، لذلك يقترح عبد المالك “إجبارية التبليغ عن أي مرض معد للطاقم الطبي”.
وشبه عبد المالك طبيب النسائية والتوليد في غرفة عمليات الولادة بـ”رجل الفضاء”.
اختصاصي الوبائيات الدكتور محمد لصوي، اعتبر الإيدز “مرضا مزمنا يمكن التعايش معه مثل السكري وضغط الدم”، لافتا الى “أن مرض الكبد الوبائي أكثر خطورة على الصحة العامة من الإيدز الذي ينتقل بطرق محددة”.
ورفض لصوي، المستشار الصحي لمبادرة “القانون والإيدز”، تخوفات بعض الأطباء التي تشير الى عزوف المرضى عن العلاج في عيادتهم اذا ما تناهى لمسامعهم أن المريضة مصابة بالإيدز، لافتا الى “إمكانية مكافحة المرض إذا تم احترام خصوصية المصابات واستعمال أدوات خاصة بهن يتم إتلافها مباشرة بعد استخدامها حتى وإن كانت تكلفتها عالية”.
وقدر لصوي “احتمالات انتقال فيروس الإيدز من مصاب الى طاقم الخدمات الطبية بوخزة إبرة عرضية بأنها ضئيلة جدا وقد تقل عن 1 %”.
أعالج نفسي بالغذاء والأعشاب
“أنظر إلى نفسي ضحية، فيما يعتبرني مجتمعي مجرمة”، بهذه الكلمات عبرت المصابة الأربعينية شادية عن نظرة المجتمع لها، قائلة “لم أرتكب أي علاقات خارج إطار الزوجية ولم أتعاطَ المخدرات، لكن دم زوجي الملوث بالفيروس اختلط بدمي وهذا قدري”.
المتعايشة شادية هي الزوجة الثالثة لمصاب توفي قبل 4 أعوام، كل ما ترك لها هو راتب تقاعدي مقداره 55 دينارا شهريا، وتعيش وحيدة في غرفة صغيرة بإيجار شهري 50 دينارا، ولولا مساندة أهلها لها لماتت من الجوع، حسب قولها.
أما علاجها الشهري فتحصل عليه من مركز المشورة والفحص الطوعي التابع لوزارة الصحة مجانا، لكن في حال مرضت بانفلونزا أو التهابات نسائية فتعالج نفسها بنفسها بالتغذية السليمة والأعشاب الطبيعية لتقوية مناعتها.
ويؤكد الناشط الاجتماعي في التوعية بمرض الإيدز سامر المحمد “أن للمتعايشين حقوقا مثلما عليهم واجبات، فمن حقهم الحفاظ على خصوصية علاجهم من دون خوف، ومن واجبهم تبليغ مقدمي الخدمة الصحية عن مرضهم حفاظا على صحتهم وعلى الآخرين”.
ويرفض الثلاثيني (سامر) ما يثار بين بعض المتعايشين من إخفاء مرضهم خوفا من ردة فعل مقدمي الخدمة العلاجية، إلا أنه يعزو ذلك الى “ضعف وتقصير التوعية الرسمية متمثلا بمراكز خدمات المشورة والإرشاد الطوعي المسؤولة عن متابعة أوضاع المرضى”.
مطالبات بإدراج الفحص المجاني للإيدز للمقبلين على الزواج
وتعتبر المتعايشات أنفسهن ضحايا لأزواج نقلوا الفيروس إليهن وليس من دم ملوث، الأمر الذي دفعهن للمطالبة بإدراج فحوص الأمراض المعدية بجانب مرض الثلاسيميا الوراثي للمقبلين على الزواج، واختبار الفيروس في خدمات الرعاية السابقة للولادة؛ حيث إن نسبة النساء الحوامل اللواتي أجرين هذا الاختبار، في الأردن “شبه معدومة”.
ومن أجل تبديد فكرة التمييز وانتهاك خصوصية المتعايشات مع “الإيدز”، اقترح نقيب الأطباء السابق أحمد العرموطي “تخصيص بطاقة معالجة لهن على غرار بطاقة الأمراض المزمنة كالسكري، وتدريب طبيبات وممرضات للتعامل معهن في مراكز الأمومة والطفولة لتقديم الخدمات العلاجية والإرشادية”، لكن هذا الاقتراح قوبل بالرفض من قبل مديرة البرنامج الوطني الدكتورة هيام المقطش التي اعتبرته “تمييزا صارخا بحقهن ويتنافى مع مبدأ التعامل مع مرضهن بسرية”.