القطاع العام.. المشكلة ليست بالعدد

تم نشره الأحد 07 حزيران / يونيو 2020 11:31 مساءً
القطاع العام.. المشكلة ليست بالعدد
ابراهيم سيف

الحديث عن إصلاح القطاع العام ليس جديدا، بل ربما لم تخلُ كتب التكليف السامية المتعددة للحكومات المتعاقبة من التشديد على ضرورة زيادة الفعالية والتخفيف من الإجراءات البيروقراطية العقيمة والالتزام بالشفافية والإفصاح وتكافؤ الفرص، وخلال أزمة كورونا عاد الحديث مجددا وإن كان بصورة مختلفة حول حجم القطاع العام وإمكانية الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين الذين ثبتت إمكانية الاستغناء عنهم دون أن يتأثر مستوى الأداء العام بصورة كبيرة.
يجب الإقرار أن محاولات الإصلاح وفقا لمعايير تقييم الأداء لم تنجح في الماضي، وظلت المشاكلُ التي تعيق زيادة الكفاءة والفعالية قائمةً، وهذه المشاكل في الحقيقة لا ترتبط فقط بالعدد الكبير للموظفين لا سيما في بعض الدوائر الخدمية، وهنا يجب التفريق بين فائض موظفين لا لزوم لهم وبين بعض القطاعات مثل الصحة التي تحتاج إلى المزيد من الكوادر المؤهلة. ولكن المشاكل الحقيقية التي لخّصتها العديد من الدراسات تتمثل في عدد من النقاط تتجاوز عدد الموظفين إلى ما هو أبعد من ذلك على صعيد الأداء المؤسسي.
أولى المشاكل التي تعترض تطوير القطاع ترتبط بالمركزية الشديدة التي يتميز بها الأداء المؤسسي، ورغم إقرار قانون اللامركزية فقد ثبتت صعوبة التطبيق على أرض الواقع، وبقي المسؤول الأول في المؤسسة منخرطا في التفاصيل ويترتب عليه مسؤوليات إدارية كبيرة تشغله عن أي رؤية إستراتيجية، ويضاف لذلك التردد الشديد في اتخاذ القرارات مما جعل عمل البيروقراطية غاية في البطء والمزاجية مع درجة عالية من اللايقين.
المشكلة الكبيرة الثانية التي ظهرت أيضا خلال أزمة كورونا هو النقص الشديد في البيانات اللازمة لاتخاذ قرار سريع وسليم، وهذه البيانات تتعلق بالكثير من القضايا الحيوية، بدءا من المخزون الإستراتيجي إلى العمالة غير المنظمة إلى توزيع المتاجر الجغرافي، ثبت هذا في أكثر من مناسبة خلال التعاطي مع كورونا، ولعل مثال توزيع الخبز في بداية الأزمة تعبير واضح عن نقص البيانات التي لو وجدت في الوقت المناسب لساهمت في تحسين الأداء والتعامل بفعالية مع تداعيات الجائحة.
وقبل وبعد كورونا لا زالت الأطر التنظيمية والقانونية متداخلة، وعندما يرتبط الموضوع بالتنسيق ما بين أكثر من جهة، تضيع الكثير من الأمور، وهناك في بعض الأحيان رؤية ضيقة تحكم عمل بعض المؤسسات، وتغيب النظرة الشاملة للاقتصاد، وهذا يجعل الترتيبات المؤسسية مفتقرة لأطر تنظيمية تشجع التعاون المؤسسي ولعل فشل تطبيق قانون اللامركزية ومن بعده قانون الشراكة لغاية اليوم والتي تحتاج إلى تعاون بين أكثر من هيئة أو مؤسسة خير دليل على هذا الضعف في التنسيق المؤسسي الذي يعني ببساطة أن وضع القوانين لا يعني تطبيقها والالتزام بها، بل العكس، ويمكن أن تضيف إلى تعقيد البيئة التنظيمية.
من الواضح أن المشكلة في القطاع العام لا ترتبط بعدد الموظفين، وإذا أردنا ترتيب التحديات التي تواجه القطاع سنجد هناك الكثير من جوانب الضعف التي تعتري أداء هذا القطاع والتي تستوجب الحل قبل الحديث عن ترشيق القطاع من ناحية العدد، وهذا لا يعني التوسع في التوظيف في القطاع العام، بل دعوة لنظرة أعمق إلى الداخل وترتيب أولويات الإصلاح والكف عن سنّ تشريعات جديدة لغايات محددة تبدأ بالديباجة؛ على الرغم مما ورد في أي قوانين أو تشريعات أخرى؛ فهذه العبارة تسهل العمل التشريعي ولكنها تخلق ازدواجية ومتاهة في التطبيق.

 الغد