استراتيجية الطاقة وأسئلة المواطن

تم نشره السبت 11 تمّوز / يوليو 2020 12:26 صباحاً
استراتيجية الطاقة وأسئلة المواطن
د. صبري الربيحات

في الأردن لا شيء يؤثر على الاقتصاد والمالية العامة والتنافسية أكثر من الطاقة وكلفتها. خلال الأيام الماضية أعلنت الحكومة عن استراتيجية الطاقة للعقد الحالي، فهل ستؤثر الاستراتيجية إيجابا على الوضع الاقتصادي والنمو ونوعية الحياة أم أنها مجرد مراجعة داخلية استهدفت ضبط الدفاتر وتقييم الممارسات. للإجابة عن هذا السؤال المهم ينبغي التنبه الى الأسئلة التي يطرحها المواطن حول الطاقة وتبيان فيما اذا كانت الاستراتيجية تجيب عنها. قائمة الأسئلة التي يطرحها الأردنيون كلما جرى الحديث عن الطاقة متعددة، لكن أبرزها يتعلق ب:
أولا: لماذا ما تزال الأسعار التي يدفعها المواطن للطاقة أعلى من الأسعار التي يدفعها المستهلك في أي بلد مجاور سواء كان منتجا أو غير منتج لها؟ في السعودية والعراق ولبنان وسورية وسائر بلدان الخليج بقيت أسعار البنزين والديزل وغيرها من المشتقات أقل من سعرها في الأردن، ومهما انخفضت الأسعار فإن هناك عتبة للأسعار لا يمكن النزول عنها. ففي الأسابيع القليلة الماضية انخفض سعر النفط عالميا الى أقل من دولار واحد، ومع ذلك بقي المستهلك الأردني يدفع بالأسعار فوق الاعتيادية بمرات ومرات.
ثانيا: لماذا نستورد طاقة أكثر من احتياجاتنا ونلزم أنفسنا باتفاقيات مع أعداء وخصوم يهددون وجودنا ومن الممكن أن يستخدموا هذه العقود والاتفاقيات كوسائل ضغط؟ تحدثت الوزيرة بأن ما يهمنا هو أمن الطاقة، ولهذا السبب عمدت الاستراتيجية الى تنويع مصادر الطاقة فجاءت، حسب تصريحه، بغاز سائل وغاز الريشة وغاز الأنابيب. أو لم يخطر ببال من وضع الاستراتيجية أن للعلاقات الاقتصادية مع دولة لا يؤتمن جانبها وفي موضوع الطاقة التي هي عصب الاقتصاد خطورة على الأمن والحرية والاستقلالية.
ثالثا: حتى اليوم لا يعرف الناس بوضوح آلية شراء الطاقة ومن يقوم بها وبأي تكلفة ولا بمقدور أحد أن يفكك حالة التشابك بين الكهرباء وشركاتها التي توالدت مع الخصخصة لتصبح توليدا وتوزيعها وجباية وشمالا ووسطا وجنوبا وغيرها من التفرعات المتداخلة وحجم الحماية الممنوحة لها. في الوقت الذي نتحدث فيه عن الاعتماد على الذات في التوليد ووجود استعداد هائل للشركات والأفراد والمستثمرين للتوسع في حصاد طاقة الرياح وتأسيس مزارع لتوليد الطاقة الشمسية ترتطم هذه الرغبات بمصالح شركة الكهرباء ويجري تحديد ما يمكن توليده بحجج عدم قدرة الشبكة القائمة على التخزين والاستيعاب، ويجري تثبيط همم من يريد الاستثمار في هذا القطاع من خلال تسعير الطاقة المولدة من قبل أصحاب المشاريع بأقل من 10 % من السعر الذي تباع فيه للبعض و50 % للبعض الآخر حسب وصفة سرية لا يعلمها الا الله.
رابعا: في حديث الوزيرة بأن الأردن وصل الى إنتاج 21 % من حاجته الكهربائية خلال العقد الماضي وأنه سيصل الى 30 % بعد عشر سنوات الكثير من الغرابة، فالمتوقع أن تصل البلاد الى 80 أو 90 % اذا كانت قد أعلنت السير باتجاه الاعتماد على الذات، فالنسبة المتوقعة من قبل الاستراتيجية لا تتماشى مع التشديد والتأكيد والتصميم على الاستقلالية الذي تتحدث عنه الحكومة.
خامسا: الغريب في الاستراتيجية المطروحة أن البلد الذي يصارع لتوفير احتياجاته من الكهرباء والطاقة بأسعار خيالية من دول نفطية ومصدرة للطاقة يخطط لأن يصدر الطاقة من دون بيان الميزة التنافسية التي يملكها القطاع الذي يجلب غالبية حاجاته من الخارج بأسعار عالية جدا ويعتمد على مصفاة تحميها الدولة بالرغم من تراجع كفاءة عملياتها. هذا البند كان وسيظل مستغربا مثل غرابة الإصرار على بناء مفاعلات نووية في أماكن لم يتفق على تحديدها بأموال غير متوفرة في بلد لديه فائض من المشتريات التي يبحث عن وسيلة لتصريفها.
الحقيقة الصادمة أن الاستراتيجية لا تجيب بشكل مباشر عن أي من هذه الأسئلة أو تخفف من الغموض الذي يلف هذا القطاع وإدارته. كنت أتمنى أن أستمع الى استراتيجية تخفف من القلق الذي يساور الناس ويحدد لهم التوجهات المستقبلية بطريقة أكثر وضوحا وأقل تشابكا وأقرب الى الأسئلة التي تعتمل في رؤوسهم. حتى اليوم لا أحد يفهم الأسباب التي أدت الى قدوم ومغادرة الشركة الهولندية للصخر الزيتي ولا ما يقوم به الصينيون وفيما اذا سنصل الى إنتاج فعلي لطاقة الصخر بالمستوى الذي يقلل من الكلف المالية ويحد من الاعتمادية على المصادر المتنوعة والمتداخلة كتداخل عروضات البورصة.

الغد 



مواضيع ساخنة اخرى