” حرب البطيخ”.. عنوان معركة على الوجود بالنسبة للفلسطينيين في منطقة الأغوار- (صور)

تم نشره الأحد 12 تمّوز / يوليو 2020 02:18 مساءً
” حرب البطيخ”.. عنوان معركة على الوجود بالنسبة للفلسطينيين في منطقة الأغوار- (صور)
” حرب البطيخ”

المدينة نيوز:- تتطابق ألوان البطيخ، الأحمر والأسود والأخضر والأبيض، مع ألوان العلم الفلسطيني، وهو ما يعطي البطيخ معنى رمزياً، لكنه اليوم يتعرض لحرب إسرائيلية في كل مراحله، من الزراعة إلى التسويق خاصة في منطقة الأغوار المهدّدة بالضمّ والمعروفة ببيدر فلسطين لخصوبة تربتها وازدهار مزروعاتها، وهذه في الواقع تتعدى الحرب على البطيخ كونها حرب على الوجود.

وتشير دراسة جديدة لمؤسسة الدراسة الفلسطينية، أن تقلص مساحة الأرض الفلسطينية الزراعية وسرقة مياهها تهدد زراعة البطيخ على وجه الخصوص. ويستذكر مّعد الدراسة  فريد طعمة الله، أنه خلال فترة الثمانينات، كان الفلسطينيون في الضفة الغربية بصورة عامة، وفي الأغوار الشمالية بصورة خاصة، ينتجون نحو 100 ألف طن من البطيخ سنوياً، وكان موسم سنة 1983 ذروة الإنتاج الفلسطيني منه.

لكن هذا الرقم أخذ ينخفض ​​بثبات منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ولغاية سنة 2014، حين أعاد الفلسطينيون الاعتبار لزراعة البطيخ من جديد، وبدأت كميات إنتاجه بالتصاعد إلى أن وصل هذا العام إلى 13 ألف طن.

وعلى الرغم من أن إنتاج هذا العام قياسي، فإن الكمية المنتجة منه لا تتجاوز ربع الحاجات المنزلية السنوية لاستهلاك البطيخ بحسب معطيات وزارة الزراعة الفلسطينية. وبينما تخطط حكومة الاحتلال لضم منطقة غور الأردن هذا الصيف، يواجه المزارعون الفلسطينيون فيها صعوبات كبيرة في تسويق منتوجاتهم بصورة عامة والبطيخ بصورة خاصة، بسبب السياسات الإسرائيلية المتعمدة وغياب الحماية من جانب الحكومة الفلسطينية.

وتنوه الدراسة لقيام جيش الاحتلال بمصادرة أراضي المزارعين الفلسطينيين وحرمانهم من المياه التي يتم تخصيصها للمستوطنين اليهود مجانا.

وحسب الدراسة قام المزارع الفلسطيني سليمان صوافطة، هذا العام بزراعة نحو 60 دونماً من البطيخ في قرية بردلة الواقعة جنوبي مدينة بيسان في الأغوار، لكنه لم يستطع تسويق معظم المحصول الذي بقي في أرضه.

وعن سبب امتناعه عن قطف المحصول، قال: “نضجت ثمار البطيخ في موعدها، لكني لم أجد الصناديق اللازمة لتعبئتها، لأن جميع الصناديق كانت محجوزة للبطيخ الإسرائيلي الذي يغرق السوق المحلية.” وبالمجمل تكبد صوافطة خسائر كبيرة تمثلت في تلف 150 طناً من البطيخ، ويعود ذلك إلى الانخفاض المفاجئ في السعر بسبب إغراق السوق ببطيخ الاحتلال.

انخفاض أسعار البطيخ

وعادة ينضج البطيخ في الأغوار الشمالية في منتصف شهر أيار/ مايو، وهو الوقت الذي تبدأ الأسعار بالانخفاض بسبب اجتياح البطيخ الإسرائيلي من الدرجة الثانية والرخيص السوق الفلسطينية، في حين يُباع البطيخ الإسرائيلي عالي الجودة في السوق الإسرائيلية وبسعرٍ عالٍ.

يتحدث سليمان بحزن وهو يقف في مزرعته وسط البطيخ التالف، فيقول: “بقي معظم البطيخ في الحقل، بينما تمكنت من بيع كمية قليلة جداً في السوق، ففي حين كانت تقديراتنا أن يكون سعر الكيلو ثلاثة شواقل، انخفض فجأة إلى أقل من شيقل واحد بسبب غزو البطيخ الإسرائيلي”.

من جهته، يؤكد مقبل أبو جيش، مدير دائرة إعادة تأهيل الأراضي في لجان الإغاثة الزراعية، أن هذه سياسة متعمدة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ويعتقد أن الإسرائيليين يغرقون السوق بالبطيخ لأنهم يريدون تشريد المزارعين، وخصوصاً عندما يرون أن العديد من المزارعين الفلسطينيين قد عادوا لزراعة المناطق الحدودية المستهدفة في وادي الأردن. موضحا أنه تم إحياء زراعة البطيخ في شمالي وادي الأردن قبل 7 سنوات، وهي تُزرع الآن على طول الحدود الأمر الذي يساهم في الحفاظ على هذه الأراضي من المصادرة والضم، وهذا هو سبب إعلان الحرب على البطيخ الفلسطيني.

 

تهجير المزارعين

ورغم أن نهر الأردن يوفر لإسرائيل ما يقدر بـ450 مليون متر مكعب سنوياً، فإن الفلسطينيين في الأغوار محرومون من الوصول إلى مياهه. ويقول المزارع سليمان إن السلطات الإسرائيلية “أبرمت اتفاقية مع فلاحين فلسطينيين في الماضي تنص على عدم استخراج المياه من الآبار الارتوازية في القرية في مقابل قيام السلطات الإسرائيلية بمنحهم المياه بسعر مخفض جداً”.

ويضيف: “بعد أن نفذ الفلاحون الاتفاقية وتوقفوا عن استخدام آبار المياه الخاصة بهم، بدأت سلطات الاحتلال بالتدريج في تقليل كمية المياه الممنوحة لهم وتعريض زراعتهم للخطر”.

وبحسب أبو جيش، فالهدف من هذه الاتفاقيات الموقعة سنة 1976 مع سكان التجمعات الفلسطينية في الأغوار، جعل المزارعين يعتمدون على شركة المياه الإسرائيلية ليصبحوا تحت رحمة الاحتلال، وهو على ثقة تامة بأن اليوم سيأتي عندما تتوقف إسرائيل عن تزويد المزارعين بالمياه لإرغامهم على المغادرة.

ويضيف أبو جيش أن أداة أُخرى تستخدمها السلطات الإسرائيلية لإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم الغورية، تتمثل في إعلان الأراضي مناطق عسكرية ومنع المزارعين الفلسطينيين من زراعتها. ومن الأمثلة على ذلك منطقة “الساكوت” التي ظلت على هذه الحال على مدى 38 عاماً، وقبل ست سنوات نجح أصحاب الأراضي الفلسطينية -بعد سنوات عديدة من المحاولة – في الحصول على قرار من المحكمة الإسرائيلية بإلغاء الحظر. ومع ذلك، سمحت السلطات الإسرائيلية بزراعة المحاصيل البعلية فقط، وحظرت المحاصيل المروية، وهو ما جعل الزراعة شبه مستحيلة في منطقة شديدة الحرارة والجفاف.

غياب الحماية للمزارعين الفلسطينيين

وطبقا لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، يشعر المزارعون الفلسطينيون بأنهم متروكون لوحدهم في مواجهة سياسات الاحتلال الشرسة، بينما يحظى المزارعون الإسرائيليون بحماية سلطات الاحتلال ودعمها، الأمر الذي يجعل المنافسة غير عادلة وغير متكافئة بين المزارع الفلسطيني والإسرائيلي.

منوهة إلى أن السلطات الإسرائيلية تخصص الأراضي الزراعية مجاناً للمزارعين اليهود في المستعمرات، وتزودهم بالمياه المجانية والأسمدة والمبيدات الحشرية، وفي الوقت نفسه، تعوضهم عن أي خسارة أو ضرر قد يصيب محصولهم.

ويؤكد محمد الفايز، مزارع بطيخ فلسطيني من قرية عين البيضا في الأغوار الشمالية، أن “البطيخ الفلسطيني أفضل بكثير من البطيخ الإسرائيلي من حيث الجودة، لكن لا توجد حماية على الإطلاق من الإغراق المتعمد للسوق الفلسطينية بالبطيخ الإسرائيلي”.

ويضيف: “المزارعون الإسرائيليون في المستعمرات المجاورة يتلقون الدعم والحماية بشكل كبير من سلطات الاحتلال، وهذا يمكّنهم من بيع المنتج بسعر منخفض في السوق الفلسطينية، وهو ما يجعلنا كمزارعين فلسطينيين غير قادرين على المنافسة”.

من ناحيته، يعتقد أبو جيش أنه “إذا أردنا منع ضم غور الأردن، فيجب أن نعزز صمود المزارعين الفلسطينيين، وبالتالي يجب منع البطيخ الإسرائيلي من دخول السوق الفلسطينية، على الأقل خلال فترة الموسم من 15 أيار/ مايو إلى منتصف شهر حزيران/ يونيو، لتمكين المزارعين الفلسطينيين من تسويق منتوجاتهم”.

 

وزارة الزراعة تعترف

تعترف وزارة الزراعة الفلسطينية ممثلة بالوكيل المساعد للقطاع الاقتصادي طارق أبو لبن، بأنه رغم قرارات الحكومات الفلسطينية المتتالية بمنع استيراد البطيخ من المستعمرات، فإن هذا لا يزال قائماً لأن بعض التجار والموردين لديهم علاقات تجارية مع الإسرائيليين، ويقومون بتهريبه إلى السوق المحلية.

لكنه يؤكد  أن الوزارة لم تصدر أي تصريح باستيراد البطيخ إلى السوق الفلسطينية. ويرى أن فشل الوزارة في ضبط السوق يرجع إلى غياب السيطرة الفلسطينية على مداخل المدن والمناطق “ج” بسبب وقف التنسيق الأمني وحالة الطوارئ، إضافة إلى نقص الكوادر البشرية بسبب أزمة فيروس كورونا.

ووصف أبو لبن الحملة الإسرائيلية بأنها “حرب البطيخ”، مشيراً إلى أن الخطة الإسرائيلية لضم وادي الأردن قد بدأت بالفعل على الأرض، وأن الفلاح الفلسطيني سيكون الضحية الأولى.

وبسبب خسارته الكبيرة، فإن المزارع سليمان صوافطة – مثل كثيرين غيره- لن يعود لزراعة البطيخ مرة أخرى، وهو ما يعني أنه إما أن يتحول إلى عامل في إحدى المستعمرات الزراعية الإسرائيلية المجاورة، أو يهجر الريف وينتقل إلى العمل والعيش في إحدى المدن.

وفي الحالتين، فهو سيترك أرضه لتصبح فريسة سهلة أمام احتمال ضمها إلى إحدى المستعمرات المجاورة، وهو بيت القصيد للسياسات الإسرائيلية على مدار سنوات الاحتلال.

وتنوه الدراسة أن العديد من المستهلكين الفلسطينيين يرفضون وبشدة شراء البطيخ الإسرائيلي، لكنهم لا يستطيعون العثور على البطيخ الفلسطيني في الأسواق.

إلهام هشام، ربة بيت فلسطينية تعيش في رام الله، تقول: “أبحث باستمرار عن البطيخ الفلسطيني في السوق، لكن للأسف معظم البطيخ المتوفر في السوق هو إسرائيلي، ولا أريد أن أشتريه”.

ومن أجل التغلب على هذه المعضلة، نظم متطوعون محليون حملات شعبية لتسويق بطيخ الأغوار في المدن الفلسطينية بهدف دعم صمود المزارعين في الأغوار من جهة، وإتاحة المجال للمواطنين لشراء البطيخ الفلسطيني من جهة أخرى.

حكي القرايا

ويوضح مراد سرطاوي، أحد المتطوعين في حملة “حكي القرايا” ومجموعة “شراكة” التطوعية، أنهم نجحوا في تسويق نحو 30 طناً من البطيخ الفلسطيني للمواطنين، وهو ما ساهم في لفت الانتباه إلى معاناة المزارعين الفلسطينيين في الأغوار، وتشجيع جهات تطوعية أخرى على القيام بهذا العمل، والنتيجة دعم مزارعين فلسطينيين وتشجيعهم على البقاء في أراضيهم وفلاحتها لجعل الزراعة ذات جدوى اقتصادية لهم.

في المقابل تعتبر الدراسة مثل هذه المبادرات الشعبية ذات أهمية رمزية ومعنوية عالية، لكنها طبعاً ليست كافية لتكون بديلاً من الجهد الرسمي الذي يجب أن تقوم به الجهات المختصة لحماية المزارع، وتشجيعه للبقاء في أرضه بصفته خط الدفاع الأول في مواجهة مخططات الضم.

وفي هذا الإطار، يعتبر المزارع محمد الفايز، أحد المزارعين المستفيدين من حملة التسويق، أن الحملة نجحت في تحسين سعر البطيخ الفلسطيني، وكذلك في لفت الانتباه إلى معاناتهم كمزارعين، وهذا أعطاه بارقة أمل تجعله يتحمس لزراعة أرضه بالبطيخ مرة أُخرى في السنة المقبلة.

وداخل أراضي 48، يواجه الفلاحون الفلسطينيون ذات المشاكل كما يؤكد المزارع نبيل نحلة لـ”القدس العربي” منوها لاضطراره لترك  بعض “مقاثيه” وإبقاء البطيخ في أرضه لعدم وجود تسويق وصعوبة منافسة البطيخ الإسرائيلي.

وأوضح أن البطيخ الفلسطيني البلدي يتفوق على البطيخ الإسرائيلي بمذاقه، لكنه لا يجد فرصة للمنافسة معه بسبب تضييق الخناق وفقدان الرعاية الرسمية.

يشار إلى أن هناك عدة أنواع بطيخ، وفي فلسطين التاريخية اشتهرت عدة مناطق بزراعة البطيخ منها سهول وادي الحوارث التي كانت تنتج كميات كبيرة يصدر معظمها إلى مصر ولبنان عبر البحر بعد تركيزها بعدة موانئ خاصة ميناء أبو زابورة أو ميناء الطنطورة. كذلك اشتهر سهل البطوف في الجليل بزراعة البطيخ البلدي، علاوة على زراعته في مرج بن عامر الممتد من بيسان إلى حيفا.

 

أحمر على السكين يا بطيخ

وتوضح خبيرة التغذية سهير سلمان منير لـ”القدس العربي” أن البطيخ  فاكهة حلوة المذاق بوظة طبيعية في الصيف فوائدها جمة، تطفئ العطش قيمتها الغذائية عالية.

منوهة أن كل 100 غم من البطيخ الأحمر تحتوي على 30 سعرة حرارية، 1 غرام ألياف غذائية، 10 غم سكر، 1 غم بروتين، وهو خالٍ من الدهون والكوليسترول.

كما تشير لاحتوائه عدة فيتامينات وعدة معادن مثل الحديد، الكالسيوم، المغنيسيوم، البوتاسيوم، الفسفور، الزنك، الفلورايد، والسلينيوم.

 

 

 

 


مواضيع ساخنة اخرى