منع الإكراه في الدين

تم نشره السبت 18 تمّوز / يوليو 2020 12:41 صباحاً
منع الإكراه في الدين
جميل ابو بكر

لقد عانى البشر طوال حياتهم نمطين من الاستبداد هما : استبداد مادي سياسي, يعتمد القهر والقسر وسيلة لاخضاع ارادة الحرية في النفس البشرية , واستبداد معنوي ديني يزيف وعي الانسان بانسانيته , ويقنعه بالعبودية والرضا بالدون . وقد جاء النص الاسلامي معلنا تحرير الانسان من هذين الدائين , وذلك بثورته على الطاغوت الزماني والروحاني .

وجاء التحرير من السلطة الدينية , ومنع الاكراه في الدين , في نص قرآني محكم هو قوله تعالى:" لا اكراه في الدين". وقد وردت هذه الاية بأعم صيغ العموم في اللغة العربية, وهي صيغة النكرة في سياق النفي والنهي, منعا لأي تضييق لدلالته, او التفاف على معناه الكلي، فهو نص عام في حرية الاعتقاد ابتداء واستمرارا وانتهاء، وربما لا توجد نصوص في اي كتب دينية ابلغ في حرية الدين من بعض آيات الجهاد في القرآن الكريم.

فحين سن القرآن الكريم للمسلمين القتال- بداية المرحلة المدنية من العهد النبوي – كانت حرية الدين من اهم غايات الجهاد ومسوغاته ,تحقيقا لحرية العبادة للجميع دون قهر او اكراه,ليكون الدين لله خالصا: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا". ثم جعل القرآن الكريم الاكراه في الدين فتنة توجب على المسلمين القتال ضدها , حتى يرتفع الحرج عن ضمائر البشر, فيعبدوا ربهم دون قهر او جبر:"وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله."

ثم جاءت السنة العملية مطابقة للنص القرآني، وذلك ما اورده البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه:" ان اعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام, فأصاب الاعرابي وعك بالمدينة, فجاء الاعرابي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: اقلني بيعتي، فأبى، فخرج الاعرابي من المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انما المدينة كالكير,تنفي خبثها,وتنصع طيبها." فهذا الحديث نص صريح في حالة ارتداد رجل عن الاسلام بعد ان بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم بأية عقوبة كانت ,ولا حبسه ولا استتابه , فضلا عن ان يقتله.

منع الاكراه في الدين هو مبدأ اخلاقي يقضي بحق الناس في المعاملة المنصفة, بغض النظر عما تقتنع به عقولهم من عقائد. والحكمة من وراء هذا المبدأ ان الاكراه لا يثمر تدينا صادقا مقبولا عند الله تعالى, وانما يورث نفاقا متلبسا بلبوس الدين .

اما التدين الحق الخالص لله تعالى فهو التدين المنقوع في الحرية, دون سلطة من الدولة او سطوة من المجتمع:" فاعبد الله مخلصا له الدين الا لله الدين الخالص". وقد عبر بعض فلاسفة الغرب عن هذه الحقيقة , حيث يقول جون لوك "ليست النار والسيف اداتين لاقناع البشر انهم على خطأ".

لذلك لم يرد قط عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قتل شخصا بتهمة الردة,رغم ورود الاخبار عن افراد من المسلمين الاولين في العصر النبوي ارتدوا ولم يقتلوا.قال البيهقي:" وقد امن بعض الناس,ثم ارتد,ثم اظهر الايمان ,فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم." ولو سارت الامور في التلريخ الاسلامي طبقا للمبدا القراني العظيم:"لا اكراه في الدين" لكانت الحرية الدينية المطلقة من اهم منجزات الحضارة الاسلامية, واكبر مظاهرها السياسية, واعظم اسهاماتها في المسيرة الانسانية . بيد ان ارتداد بعض القبائل العربية في صدر الاسلام, وتمردها على الدولة, جعل حرية الدين تتحول شانا سياسيا في وقت مبكر من حياة المسلمين , فاختلطت في الثقافة الاسلامية جوانب الراي والاعتقاد مع جوانب السياسة والاجتماع, ولم يرتفع هذا اللبس بشكل كامل حتى اليوم .

وقد اختلطت في الفقه الاسلامي – في عصر مبكر - مسألتان من طبيعتين مختلفتين تماما ,وهما قتال المرتد المحارب وقتل المرتد المسالم. لكن فقهاء المذهب الحنفي منعوا قتل المرأة بالردة لانها غير مقاتلة كما ورد في قول للكاساني. وقد احتج الفقيه الازهري المعاصر عبد المتعالي الصعيدي لهذا المنحى في الفقه الحنفي على منع قتل المرتد المسالم.

وربما تعود جذور حد الردة في الفقه الاسلامي الى تأثير المواريث الامبراطورية الفارسية. وقد ورد في كتاب تنسر وهو اقدم نص سياسي فارسي اطلع عليه المسلمون ان من "يرتد عن الدين ويحدث البدع في الشريعة" ,فكانت عقوبته قبل اردشير هي القتل مباشرة، لكن اردشير –مؤسس الدولة الساسانية – خففها فسن قبل القتل عقوبة للردة عن الدين" فامر اردشير ان يحبس الاثيم, وان يداوم العلماء تلاوة احكام الشريعة عليه مدة عام، وينصحوه ويبينوا له الادلة والبراهين، ويزيلوا الشبهة عنه، فإن تاب واناب واستغفر اطلقوه, واذا حمله الاصرار والاستكبار على الردة امروا بقتله." وما سنه اردشير من الاكراه في الدين هو ما انتهى جمهور فقهاء المسلمين الى تبنيه بكل اسف .

وخلاصة الامر ان منع الاكراه في الدين من اهم القيم السياسية الاسلامية. وينبثق من مبدأ منع الاكراه في الدين , كل الحريات المتصلة بالتفكير والتعبير.

14- وحدة الأمة السياسية

ورد التنصيص على وحدة الجماعة المسلمة في القران والسنة, وحمل هذا التنصيص معنى الوحدة في الزمان. فقد وردت ايتان قرانيتان في الوحدة في سياق التعقيب على حياة الانبياء السابقين للتذكير بأن امة الاسلام امتداد لامم الرسالات السابقة:" ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون," و " ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون. " كما حملت النصوص معنى الوحدة السياسية, بمعنى وحدة الهيكل السياسي الجامع , او وحدة الارادة السياسية والالتزام السياسي في حال تعذر بناء اطار سياسي جامع للمسلمين .

ورسمت الاحاديث النبوية حدود الامة بشكل واضح . ومن النصوص ذات الدلالة المهمة في هذا السياق قول النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلمون تتكافأ دماؤهم, ويسعى بذمتهم ادناهم, ويجير عليهم اقصاهم ووهم يد على من سواهم ." ففي هذا الحديث تاسيس رابطة سياسية اسلامية تتضمن الزاما والتزاما لاطراف الجماعة المسلمة في العصر النبوي قبائل وبطونا وحواضر , فتجعلهم كتلة واحدة من حيث التعاون ضد العدو الخارجي , ويلتزم كل مكوناتها بما التزم به اي طرف منها , حتى وان كان اقلها عددا وشانا بالمعايير الاجتماعية السائدة قبل الاسلام .

ولم يحرص فقهاء السياسية الشرعية على شيء مثلما حرصوا على الوحدة السياسية للامة , والابقاء عليها باي صيغة ممكنة. وما ساد منذ عصر الماوردي من نظريات سياسية تشرع" امارة الاستيلاء" لم تكن سوى سعي للتوفيق بين سلطة الخلفاء العباسيين الذاوية, وسلطة الامراء العسكريين المسيطرين بالقوة. وقد عرف الماوردي امارة الاستيلاء ,فقال :" واما امارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار, فهي ان يستولي الامير بالقوة على بلاد فيقلده الخليفة امارتها, ويفوض اليه تدبيرها وسياستها".فقد الزم الفقهاء القادة العسكريين الذين استولوا على اطراف الامبراطورية العباسية المتهالكة ان ياخذوا من الخليفة العباسي تفويضا بحكم تلك الاطراف.

وهو تفويض شكلي من الناحية القانونية, لانه تشريع لامر تم بالقوة والقهر, لكن له قيمة سياسية عظيمة, وهي بقاء الامراء المتغلبين على الاطراف مرتبطين بمركز الدولة في بغداد برباط معنوي على الاقل,يضمن الحد الادنى من من التعاضد والمناصرة . وهذا ابلغ مثال على تشبث فقهاء السياسة الشرعية بوحدة الامة .

ولذلك كانت الفاجعة بسقوط الخلافة العباسية على ايدي المغول منتصف القرن السابع الميلادي,ثم سقوط الخلافة العثمانية على ايدي المستعمرين في العصر الحديث, هزة عنيفة للضمير المسلم,لان كلا السقوطين حمل معاني اليتم والانكشاف الكامل, وتمزق اخر رابط سياسي بين المسلمين,حتى وان كان رابطا رمزيا.

ومهما يكن من امر, فان تاثير نصوص الوحي الاسلامي الحاضة على وحدة الامة, والتراث الفقهي المتشبث بهذه الوحدة,جعل الضمير المسلم عبر القرون متعلقا بوحدة الامة الاسلامية.
تلكم هي القيم السياسية الاسلامية في صيغتها النصية التاسيسية ,تقدم اساسا اخلاقيا مكينا للنظام السياسي الرشيد.

ان الثمرة الاجتماعية للقيم السياسية الاسلامية هي تحقيق العدل,واما ثمرتها السياسية هي بناء الدولة المنسجمة . والمقصود بالدولة المنسجمة, هو انسجام ارادة الحاكم والمحكوم ,وهذه اهم مصدر من مصادر قوة الدولة.

السبيل 



مواضيع ساخنة اخرى