من قتل سهام سرقيوة؟

تم نشره الأحد 19 تمّوز / يوليو 2020 12:33 صباحاً
من قتل سهام سرقيوة؟
علي سعادة


طبيبة نفسية وسياسية وناشطة ليبية اختطفت العام الماضي من منزلها على يد ميليشيات موالية لما يعرف بـ"الجيش الوطني الليبي" تحت قيادة المشير خليفة حفتر، بحسب شهادات أسرتها وجيرانها ومنظمات دولية.

ولا يزال مكانها مجهولا كما لم تعلن أية جهة عن خطفها، لكن تسجيل صوتي مسرب لنائب ليبي كشف عن مقتل البرلمانية سهام سرقيوة، بعد أن بثت فضائية "فبراير" الليبية الخاصة، تسجيلا صوتيا للبرلماني عيسى العريبي، يؤكد فيه مقتل سرقيوة التي لقبها مغردون بـ"خاشقجي ليبيا".

تحمل سهام سرقيوة، المولودة بمدينة بنغازي في ليبيا عام 1963، شهادة الدكتوراة في علم النفس السريري من جامعة في لندن بإنجلترا. عملت طبيبة في بريطانيا حتى أواخر عام 2000، عادت إلى ليبيا ومع اندلاع أحداث الربيع العربي كانت واحدة من أوائل الليبيات اللاتي خرجن للتظاهر في الشوارع ضد الرئيس معمر القذافي .

بعد دخول ليبيا في حرب أهلية أواخر عام 2011 انضمت سرقيوة إلى لجنة للتحقيق في استخدام الاغتصاب كسلاح حرب خلال أحداث الأهلية الليبية الأولى. ونجحت سهام في توثيق 300 حالة اغتصاب، وذكرت في تقريرها أن العدد الإجمالي لحالات الاغتصاب ناهز 6000 حالة كما ذكرت أن خمسة من الحارسات الشخصيات لمعمر القذافي تعرضن للاغتصاب والاعتداء الجنسي من قِبل القذافي نفسه .

كما وجدت أن الحكومة زودت المقاتلين الموالين لها بوسائل وقائية من أجل تشجيعهم على تنفيذ عمليات الاغتصاب في حق كل من يعارض النظام.

وقدمت تقريرها وكافة الدلائل التي جمعتها إلى المحكمة الجنائية الدولية لمساعدتها في إكمال تحقيقها حول الجرائم التي حصلت في ليبيا.

دخلت سرقيوة عالم السياسة بعد فوزها بمقعد نيابي عن مدينة طرابلس عام 2014 وأصبحت واحدة من أبرز السياسيين الليبيين الذين يناضلون من أجل الديمقراطية والمساواة في الحقوق.

دافعت سرقيوة عن "شرعية مجلس النواب" الذي يؤيد ويعترف ضمنيا بحفتر وبقواته كجيش للبلاد، كما دعت إلى تفادي الحلول العسكرية واللجوء للحوار كبديل لإخراج ليبيا من أزمتها.

لكن مع بداية أيلول/ سبتمبر من عام 2016 غيرت سرقيوة موقفها تجاه " الجيش الوطني الليبي" حيث قالت إنها كانت تدعمه منذ اليوم الأول لها في البرلمان كما قالت إنها وقفت ضد كافة أشكال الإرهاب قبل أن تستدركَ قائلة بأنها اتضح لها أنها "كانت تدهم مجموعة من المليشيات القبلية"، ثم تعهدت "بالبدء في نشر فضائح لجنة الدفاع في مجلس النواب والفساد المالي الذي يشوبها" وواصلت: "لم أتعرض يوما للاعتداء اللفظي في بنغازي أثناء حكم "المليشيات الإسلامية" بل كانوا يحترمون جميع النساء، أما اليوم فأنا مصدومة جدا من الواقع الذي وصلنا إليه من حكم الميلشيات القبلية."

في أواخر عام 2018 طلب قائد ما يعرف بـ"قوات الكرامة" حفتر نقل صلاحيات القائد الأعلى للجيش إليه إلى حين إجراء انتخابات رئاسية، لكن المجلس الرئاسي بقيادة فائز السراج رفض هذا الطلب.

وعلقت سرقيوة على ما قام به حفتر بأنه "محاولة انقلاب على السلطة الشريعة المتمثلة في البرلمان"، كما قالت "إن حفتر عُيّن بلا إجراء انتخابات داخل المجلس، وأن الوحيد القادر على إقالته، أو الإبقاء عليه هو رئيس المجلس عقيلة صالح الذي عينه في هذا المنصب."

كما انتقدت في أثناء برنامج تلفزيوني هجوم حفتر على العاصمة طرابلس.

وكان آخر ما فعلته سهام سرقيوة قبل أن تختطف هو ظهورها على قناة "ليبيا الحدث"، ودعت إلى وقف نزيف الدم في ليبيا، وقالت: "إن هناك مشكلة في مجلس النواب، هي المتشددون الداعمون للطرفين، الجيش وحكومة الوفاق، وهؤلاء يجب أن تحجم آراؤهم".

وقوبلت بالاستهجان كونها تهاجم حفتر على قناة تابعة له، وكان حديثها حول جماعة "الإخوان المسلمين" قد أغضب أنصار الجنرال، ومنهم الإعلامي الذي أدار الحوار.

ورغم أن هناك مجلس نواب واحدا، فإن أعضاء البرلمان الداعمين حكومة "الوفاق" المعترف بها دوليا مقيمون في طرابلس، بينما النواب الآخرون الداعمون لحفتر ما زالوا يعقدون جلساتهم في طبرق، إلا أن سرقيوة خالفت العادة وأصبحت النائبة ضمن القلة التي تجهر بالمعارضة داخل برلمان طبرق، وسبق لها أن وصفت الجنرال الليبي بأنه "شخص غير شرعي".

بعد أيام قليلة من مقابلتها التلفزيونية اقتحم منزلها في 17 تموز/يوليو عام 2019 من قبل 25 إلى 30 ملثمين قيل إنهم يرتدون الزي الرسمي للواء 106 وهي ميليشيا تتبع "جيش" حفتر. وحين حاول زوجها الدفاع عن أسرته أطلق عليه الرصاص فأصيب في ساقه، واختطفت سرقيوة لمكان مجهول وكتب على جدران منزلها عبارات تحث الناس على عدم انتقاد "الجيش الليبي" وقائده حفتر.

وأصدر مجلس النواب الليبي بيانا اعتبر فيه حفتر "المسؤول قانونيا وأخلاقيا" عن احتجازِ سهام سرقيوة، كما حذر من "تعريض حياتها للخطر"، فيما ذكرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن " الاختفاء القسري والاعتقال والاختطاف بناء على الآراء السياسية أو الانتماءات يشكل ضربة قوية لحكم القانون وانتهاكا للقانون الدولي وحقوق الإنسان" .

من جانبها قالت "هيومن رايتس ووتش" إنه ينبغي لـ"الحكومة المؤقتة" في الشرق الليبي بذل جميع الجهود الممكنة لضمان عودة آمنة للنائب المختطفة.

فيما أنكرت "الحكومة المؤقتة" التي تسيطر على بنغازي أن يكون لها أو لأي من القوات المرتبطة بـ "الجيش الوطني الليبي"، أي دور في اختطاف سرقيوة. اتهم وزير الداخلية في هذه الحكومة "مجموعات إرهابية قد تكون تسللت إلى بنغازي" باختطاف سرقيوة. غير أن أقارب وأشخاصا من بنغازي على علم بالحادثة قالوا إنهم يعتقدون أن مجموعات مرتبطة بـ"الجيش الوطني الليبي" تقف وراء الاختطاف، وإن بعض السيارات التي استخدمت في العملية هي التي كشفت هوية هذه المجموعات.

وقال إريك غولدستين، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش": "توجيه الاتهام في اختطاف عضو في مجلس النواب إلى إرهابيين مجهولين لن يساعد في تحديد مكانها. ينبغي للسلطات فعل كل شيء لتحديد هوية الخاطفين ومكان سرقيوة، وضمان حماية أسرتها".

وتضاف جريمة اختطاف سرقيوة إلى قائمة جرائم في ليبيا، بجانب زرع المتفجرات والألغام، والمقابر الجماعية، وتعذيب معارضين.

وبدعم من دول عربية وغربية، تنازع مليشيا حفتر، منذ سنوات، الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، على الشرعية والسلطة في البلد الغني بالنفط، ما أسقط قتلى وجرحى بين المدنيين، بجانب دمار مادي واسع.

وتتمركز "الكتيبة 106" المتهمة باختطاف سرقيوة في بنغازي، ويقودها خالد حفتر، وتعد أقوى الكتائب تسليحا، وتشارك حاليا في الهجوم على العاصمة طرابلس، وسبق لهذه الكتيبة أن أوكل لها مهمة الفتك بخصوم لحفتر، من بينهم وكيل وزارة الداخلية في حكومة الوفاق، وسبق للأمم المتحدة أن اتهمتها أيضا في بيان رسمي بسرقة مصرف ليبيا المركزي وسط بنغازي نهاية عام 2017، والسيطرة على أكثر من 600 مليون دينار ليبي، و160 مليون يورو، ونحو مليوني دولار ونقلها لجهة غير معلومة.

التسريب الصوتي أكد مخاوف أهل البرلمانية سهام سرقيوة وذووها من أن تكون قد لاقت مصير الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي اختفى عقب دخوله مقر القنصلية السعودية في إسطنبول.

السبيل