الاستبداد أو الاستعمار

تم نشره الأحد 09 آب / أغسطس 2020 12:47 صباحاً
الاستبداد أو الاستعمار
موفق ملكاوي

يكتب الصديق الأكاديمي د. حسن البراري ما معناه إن مستقبل المواطن العربي اليوم بات محصورا بين خيارين اثنين فحسب، فإما أن يقبل بالاستبداد، وإما أن يفتح ذراعيه للاستعمار.
بعضهم قد يتهم البراري بالسوداوية، وربما بالعدمية، لكن مقولته لها أرض خصبة تترعرع فيها. وربما هي استعارتها مما يحدث في لبنان اليوم، على إثر توقيع عشرات آلاف اللبنانيين على عريضة تدعو إلى إعادة وضع بلدهم تحت الانتداب الفرنسي، فهل تطرف اللبنانيون في هذه الدعوة؟
بالتأكيد هي دعوة متطرفة. لكن، وفي الجانب الآخر، ما الذي يملكه المواطن اللبناني أو العربي اليوم من خيارات، وما الذي يمكن فعله في إقليم غرق في الديكتاتورية والفساد والتخلف والرجعية، وبات عصيا على التقدم خطوة واحدة إلى الأمام!
منذ خمسينيات القرن الماضي، جرب العرب جميع الوصفات المتاحة من أجل أن ينضموا إلى ركب الأمم التي تتقدم حسب جدول زمني، أو حسب رؤى محددة استعارت أدواتها من بيئتها. لكن هذه الوصفات فشلت جميعها لدى تجربتها في العالم العربي.
على الصعيد السياسي، جربنا الانقلابات والثورات والانتخابات المعلومة نتيجتها سلفا، كما جربنا انتظار موت الزعيم لفتح كوة في جدار الاستبداد، فلم نحصد شيئا. في العالم العربي استعنا بجميع الأيديولوجيات كخيارات لطرق الحكم ورجالاته، فجربنا الأنظمة القومية واليسارية والدينية والطائفية والليبرالية والانتهازية واللإنسانية واللاأيديولوجية، وأسسنا الأحزاب والبرلمانات ومجالس الشعب، وغيرها من المسميات، لكن شيئا لم يتغير، فقد ظل الأمر شكليا، ولم تستطع أي مؤسسة أو منظمة أو ائتلاف أن ترى التطلعات الحقيقية للمواطن العربي الذي انشغل بالسياسة رغما عنه، حين رأى أن السياسيين تركوا السياسة واشتغلوا بـ “البزنس” ومراكمة الثروات، ولم يتركوا صنفا من الفساد إلا وأسسوا له.
على الصعيد الاقتصادي، خسر العرب ثرواتهم تدريجيا عبر عشرات السنين، ولم يستطيعوا أن يؤسسوا لتنمية حقيقية تنقل بلدانهم إلى نمط إنتاجي يتماشى مع الثروات تلك ومع طبيعة المجتمعات التي حولوها إلى مجتمعات استهلاكية واتكالية، مع تأكيد أن كثيرا من الأقطار تقبع في منظومة الدول الفقيرة، حتى بعض الدول الغنية التي تتباها بمعدلات عالية لدخول الأفراد، لم تستطع النجاح في تعميم تلك المكاسب على المجتمعات كاملة، لذلك انقسمت تلك المجتمعات إلى فقيرة وغنية.
أما بالنسبة للتعليم في العالم العربي فهو يتهاوى ويتراجع، ويكفي أن ننظر إلى ترتيب جامعاتنا على المستوى العالمي لنعرف الحضيض الذي نعيش فيه. لقد أصبحت تلك الجامعات مجرد «مدارس» تصدر شهادات أعلى من الثانوية، من غير أن تمنح الخريج أي مهارات، أو حتى أي عمق في مجال تخصصه. أما الفساد في هذا القطاع، فقد تطور وتنوع، حتى صار بإمكان أي شخص أن يتحصل على رسالة أكاديمية باسمه من دون أن يكتب منها حرفا واحدا!
وبالنسبة للبحث العلمي، فلا أظن أن هناك مصطلحا يتم تكراره اليوم أكثر منه، غير أنه ما من مصطلح يتم التآمر عليه أكثر منه سوى الحرية. اليوم، يعيش العرب عالة على العالم. وربما يتمثلون تماما قول أحد الدعاة: «ما لهذا خلقنا»، فنحن نستورد جميع ما تنتجه الدول المتقدمة من دون أن نقدم للعالم شيئا سوى المال. لكن، وبالتأكيد، فإن البحث العلمي مرتبط ارتباطا وثيقا بالحريات، وما لم نعش الحرية واقعا حقيقيا، فلن نرى أي بحث علمي محترم.
واقع العالم العربي يدعو إلى الأسى، فقد توقف عن التقدم منذ عقود، وأصيبت أنظمته السياسية والاقتصادية والتنموية والاجتماعية بالعقم، فلم يعد ينتج نخبا حقيقية قادرة على استشراف مستقبل بلادها، بينما أصبح المجال السياسي ميدانا للصفقات من مختلف أنواعها.
اليوم، يشعر الشباب العربي بالإحباط واليأس بعد أن فتك بهم الفقر، وأحنت البطالة ظهورهم، وخنق صوتهم نقص الحريات واستبعادهم من المشاركة الحقيقية في المجال العام، وصنع القرار. لهذا يتوجب علينا أن نتفهم إحباطاتهم جميعها، ويأسهم حين يهتفون مطالبين بعودة الاستعمار بديلا عن حكوماتهم التي يفترض بها أن تكون وطنية!!
الدولة العربية أصبحت طاردة لأبنائها. هم يعيشون فيها على حلم الهجرة الذي يقرعون من أجله أبواب سفارات العالم كله. إنهم يريدون خلاصا أبديا من كابوس يسمى العالم العربي الظالم.

الغد



مواضيع ساخنة اخرى
إصابة المراقب العام للإخوان المسلمين عبدالحميد ذنبيات بكورونا إصابة المراقب العام للإخوان المسلمين عبدالحميد ذنبيات بكورونا
بدخول موسمها : اقرأ هذا  التقرير لتعرف الفرق بين كورونا والانفونزا العادية وماذا تفعل إن اصبت بدخول موسمها : اقرأ هذا التقرير لتعرف الفرق بين كورونا والانفونزا العادية وماذا تفعل إن اصبت
لجنة الأوبئة : مصادر عدوى الفيروس موجودة بشكل لا نستطيع التحكم فيه لجنة الأوبئة : مصادر عدوى الفيروس موجودة بشكل لا نستطيع التحكم فيه
توزيع اصابات فيروس كورونا في المحافظات .. عمان الاعلى توزيع اصابات فيروس كورونا في المحافظات .. عمان الاعلى
صور : حادث سير مروع في عبدون صور : حادث سير مروع في عبدون
الحبس 3 أشهر لاربعيني قتل شقيقه في طبربور الحبس 3 أشهر لاربعيني قتل شقيقه في طبربور
مشاجرة في السلط مشاجرة في السلط
"التربية" تنفي صحة صورة متداولة على أنها في منهاج أردني "التربية" تنفي صحة صورة متداولة على أنها في منهاج أردني
مادبا في صدارة أسبوع حافل بالأحداث الأمنية الساخنة مادبا في صدارة أسبوع حافل بالأحداث الأمنية الساخنة
تكليف  العقيد نبيل مبيضين بادارة مديرية الامن الوقائي تكليف العقيد نبيل مبيضين بادارة مديرية الامن الوقائي
إعفاء مستأجرين من إيجارات محال تجارية في فترة الحظر إعفاء مستأجرين من إيجارات محال تجارية في فترة الحظر
القضاء الشرعي يفتح تحقيقا بانباء هدم مسجد في البشير القضاء الشرعي يفتح تحقيقا بانباء هدم مسجد في البشير
وزير العمل يعلن عن قرارات للعمالة الوافدة من الجنسيات المقيدة والجنسية المصرية وزير العمل يعلن عن قرارات للعمالة الوافدة من الجنسيات المقيدة والجنسية المصرية
الزرقاء  : براءة شاب متهم بقتل شقيقه الزرقاء : براءة شاب متهم بقتل شقيقه
الرزاز : "لو دامت لغيرك ما آلت الك " الرزاز : "لو دامت لغيرك ما آلت الك "
استفتاء " غريب عجيب " يطرحه وزير الصحة على الأردنيين بخصوص كورونا استفتاء " غريب عجيب " يطرحه وزير الصحة على الأردنيين بخصوص كورونا