ذكرى استشهاد عرفات.. شيّع في 3 قارات ودفن مرتين

تم نشره الأربعاء 11 تشرين الثّاني / نوفمبر 2020 12:55 مساءً
ذكرى استشهاد عرفات.. شيّع في 3 قارات ودفن مرتين
الرئيس الفلسطيني الراحل محمد عبدالرؤوف عرفات

المدينة نيوز :-  عاش الرئيس الفلسطيني الراحل محمد عبدالرؤوف عرفات القدوة (ياسر عرفات) حياة مختلفة عن نظرائه من الزعماء، وكذلك كانت تفاصيل استشهاده، فقد صُليَ عليه في ثلاث قارات، وشُيع ثلاث مرات، ودُفن مرتين.

وتحدث قاضي قضاة فلسطين السابق الشيخ تيسير التميمي، عن تفاصيل شهور الحصار والساعات الأخيرة في حياة الرئيس الراحل وبعد استشهاده ، بحسب " القدس العربي" 

واستشهدعرفات (أبو عمار) عام 2004، عن عمر ناهز 75 عاما، في مستشفى “كلامار” العسكري بالعاصمة الفرنسية باريس.

وجاءت وفاة الراحل إثر تدهور سريع في حالته الصحية، في ظل حصاره لعدة أشهر من جانب الجيش الإسرائيلي في مقر الرئاسة (المقاطعة) بمدينة رام الله، وسط الضفة الغربية.

ويتهم الفلسطينيون إسرائيل بتسميم عرفات، ويقولون إنه لم يمت بسبب تقدم العمر أو المرض، ويؤكدون أن وفاته لم تكن طبيعية.

وأعلن رئيس لجنة التحقيق بوفاة عرفات، توفيق الطيراوي، في أكثر من مناسبة، أن “بينات وقرائن تشير إلى أن إسرائيل تقف خلف اغتيال عرفات”.

في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، أخذ خبراء روس وفرنسيون وسويسريون عينات من جثمان عرفات، بعد فتح ضريحه في رام الله، لفحص سبب الوفاة.

واستبعد الخبراء فرضية الاغتيال، وقالوا إن وجود غاز “الرادون” المشع في البيئة الخارجية قد يفسر ارتفاع المواد المشعّة في العينات.

لكن معهد “لوزان السويسري” للتحاليل الإشعاعية كشف في تحقيق بثته قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية عام 2012، وجود “بولونيوم مشع” في رفات عرفات، وسط تقديرات بأنه مات مسموما بهذه المادة.

ورغم مرور 16عاما على الوفاة، لم تتوصل السلطة الفلسطينية حتى الآن إلى أداة تنفيذ عملية الاغتيال.

مشهد مفزع

ويقول التميمي، إنه لازم عرفات أثناء حصاره بمقر الرئاسة (المقاطعة) في مدينة رام الله مع اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/ أيلول 2000 وحتى مرضه ومغادرته إلى المستشفى الفرنسي بعد تدهور حالته الصحية.

وفي باريس ظل التميمي، وفق ما يقول، بجوار عرفات في غرفة علاجه بالمشفى الفرنسي حتى فاضت روحه في 11 نوفمبر/تشرين ثاني 2004، ثم قام بنفسه بدفنه في قبر مؤقت بمقر المقاطعة في رام الله.

ويشير إلى أن المشهد الذي لا زال محفورا في ذاكرته هو لحظة دخوله على عرفات في المستشفى الفرنسي قائلا: “عندما دخلت غرفة العناية المركزة رأيته مسجى في سريره وموصولا بأنابيب تغذية وأجهزة عديدة وأسلاك كثيرة في رأسه وأجزاء أخرى من جسده”.

ويضيف: “كان المشهد مفزعا (..) رأسه أكبر من حجمه الطبيعي، وعيناه جاحظتان، لكن تمالكت نفسي وجلست إلى جواره مغمض العينين نحو ساعة قرأت خلالها ما تيسر من القرآن الكريم”.

ويردف التميمي: “بعد ساعة وقع نظري على كتفه الأيمن وكان مكشوفا ويتحرك لا إراديا، فخرجت للإعلام وقلت إن الرئيس حي بعد أن شاعت أخبار عن وفاته”.

ويتابع: “بعدها غاب الرئيس عن الوعي لساعات ثم طرأ تحسن آخر على صحته بشكل فاجأ الأطباء، وأثلج صدور الفلسطينيين”، لكنه يستدرك: “إنها صحوة الموت كما نسميها”.

ويقول التميمي: “بقيت إلى جوار عرفات حتى الثالثة والنصف من فجر 11 نوفمبر، وفي لحظة تدهورت صحته بشكل مفاجئ، وتداعى الأطباء، لكنه توفي”.

شخصيات لازمته

يذكر التميمي أن من أبرز الشخصيات التي كانت تتردد على عرفات الذي كان يتزعم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بالمستشفى الفرنسي القيادي في الحركة نبيل شعث، ومدير مكتبه رمزي خوري، وناصر القدوة (ابن شقيقته).

ويضيف: “في الصباح حضر ثلاثة من أئمة مساجد باريس وقمنا بغسله، ورغم أنه كان قد مضى خمس ساعات على وفاته، لاحظنا استمرار نزيف الدماء من مواضع التوصيلات والأنابيب وحقن التغذية في جسده ورأسه، فطلبنا لاصقا لوقف النزيف”.

ويشير إلى أن الموقف الذي جعله يجزم بفرضية تسميم عرفات هو أنه عندما سأل الطبيب عن سبب نزيف الدم، مع أن الدم يتجلط فورا في حالات الوفاة، فأبلغه بوجود أنواع من السم تمنع خاصية التجلط في الدم.

ويوضح التميمي، أنه صلى على عرفات المرة الأولى بعد غسله في المستشفى مع الأئمة من مساجد فرنسا وطبيب مغربي فقط، ثم وضعوه في التابوت واحتفظ بمفتاح التابوت وغادر إلى مدينة رام الله لتهيئة القبر.

قبر خاص

يقول التميمي “القبر (في رام الله) صمم بطريقة تمكننا لاحقا من حمله ونقله إلى القدس، لتنفيذ وصية عرفات بدفنه هناك، لكن إسرائيل منعتنا من ذلك، فصنعنا صندوقا إسمنتيا بمقابض تسهّل حمله لنقله إلى القدس عندما يتيسر ذلك”.

ويردف: “مع وصول الجثمان إلى رام الله، قادما من القاهرة بعد تشييعه بحضور زعماء العالم، تدفق أكثر من مئة ألف مواطن إلى المقاطعة، فلم نتمكن من نقله من الطائرة إلى مكتب الرئاسة حيث ينتظر سياسيون ودبلوماسيون وسفراء لإلقاء نظرة الوداع عليه”.

ويتابع: “لم نتمكن حتى من الصلاة عليه، واضطررنا لنقل التابوت بسيارة إلى القبر مباشرة، وداخل القبر لم أتمكن من دفنه بالطريقة السليمة، فقررت إغلاق القبر على التابوت”.

ويشير إلى أنه “عند الثانية فجرا أعدنا فتح القبر، فأخرجنا الجثمان من التابوت، وصلينا عليه مجددا خارج القبر”.

ويلفت التميمي، إلى أنه “حرص على إحضار 50 كيسا صغيرا من تراب المسجد الأقصى، ووضعها في القبر المتنقل لعرفات، قبل أن يغلقه”.

ويضيف: “رأسه (عرفات) عاد لحجمه الطبيعي، ووجهه عاد أيضا لحالته الطبيعية مع ابتسامة خفيفة”.

ويضيف التميمي، أن المرة الثالثة التي تمت الصلاة فيها على جثمان عرفات كانت “لدى وصوله إلى القاهرة قادما من فرنسا حيث جرت الصلاة عليه فى مسجد الجلاء بمصر الجديدة”.

ويوضح أنه “جرت لعرفات مراسم عسكرية في فرنسا بالقارة الأوروبية، وفي القاهرة بالقارة الإفريقية، وفي رام الله بالقارة الآسيوية”، لافتا إلى أن هذا الأمر “لم يسبق لأحد”.

بداية المرض

يذكر التميمي من المواقف التي عايشها في أول مرض عرفات أنه “ألحّ عليه في العاشر من رمضان 24 أكتوبر/ تشرين أول عام 2004 بالإفطار بعد أن كان يعاني من التقيؤ المستمر، فرفض وأصر على الصيام”.

ويذكر التميمي موقفا أبكى عرفات وهو مشهد تعذيب سيدة عراقية في سجن أبو غريب في العراق.

ويشير إلى “تجاوز قادة العرب لكلمة عرفات في قمتهم ببيروت عام 2002، والتي تبنى العرب فيها المبادرة العربية”، موضحا أن الرئيس الراحل “قرر الرد بإلقاء كلمته عبر قناة الجزيرة القطرية”.

يقول التميمي: “شعر عرفات بالمؤامرة ودنو الأجل بعد تكرار التقيؤ وشعوره بالهزال والتعب والإعياء، وأوصاني يوم 10 رمضان بدفنه في القدس، إذا توفي”.

ويذكر أن عرفات “ظل رافضا للسفر والعلاج”، موضحا أن “موافقته كانت استجابة لطلب زوجته سهى، وتم التحضير للسفر سريعا بعد التدهور الشديد في صحته”.

ولفت التميمي، إلى أن “الرئيس (الفلسطيني) الحالي محمود عباس حضر إلى عرفات عشية سفره بعد قطيعة استمرت لعام ونصف”.

فرضية السم

لا يستبعد التميمي أن يكون عرفات ” تعرض للتسميم بالإشعاع عبر طائرة إسرائيلية”، موضحا أنه “كان يعاني من البهاق، وفي كل صباح كان يعرض جسمه للشمس عند نافذة معروفة، وربما استهدف من خلالها”.

ويكشف التميمي عن تعرضه هو نفسه لمحاولة اغتيال، عازيا ذلك إلى حديثه المتكرر عن تسميم عرفات.

ويقول: “خلال مشاركتي بمؤتمر علمي في القاهرة في الشهر التالي لوفاة عرفات، أغمي علي، ولحسن الحظ كان بين المشاركين طبيب سوري متخصص في السموم أحضر العلاج، وقال إن ما جرى لي هي أعراض تسميم”.

تهديد بالقتل

ويقول التميمي، إن عرفات هُدد بالقتل، بعد محاولة إغرائه بالمليارات، في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.

ويضيف أن عرفات “كشف في لقاء ضيق خلال اجتماع للجنة القدس في المغرب بعد مفاوضات كامب ديفد، عن تعرضه لتهديد أمريكي صريح بالقتل”.

ويردف التميمي أن مسؤولا بالمخابرات الأمريكية هدد عرفات بالقول: “إذا لم توافق على ما نطرحه (في كامب ديفيد) ستحدث تغييرات في المنطقة أنت ستكون من ضمنها، فأجابه الرئيس: من الآن أدعوك لحضور جنازتي”.

ويتابع أن عرفات قال “كانت الضغوط كبيرة في مفاوضات كامب ديفد، حتى نعترف بحق لليهود في القدس والصلاة في ساحة البراق، بل وأن نعترف بوجود أثر يعود للتاريخ اليهودي تحت أساسات الأقصى، وهذا ما رفضناه بشدة”.

ويقول التميمي: “كان في اللقاء الذي تحدث به عرفات عن كامب ديفد ياسر عبدربه الذي كان يشغل في حينه منصبي رئيس الطاقم الفلسطيني لمفاوضات الحل النهائي ومسؤول الثقافة والإعلام فى السلطة الفلسطينية فسأله: على ماذا تعتمد عندما تقول لرئيس أكبر دولة (أمريكا) لا؟”

ويضيف: “حينها أجابه عرفات بإجابته المشهورة بأن الموقف عقائدي لا أحد يستطيع تجاوزه، فلسطين ملك لمليار ونصف المليار مسلم، وإذا اعترفوا لإسرائيل بحق في القدس، حينها أفكر هل أعترف أم لا”.

الحصار والقرآن

ويقول التميمي إنه “لازم الرئيس عرفات في حصاره 34 شهرا، وكان يزوره كل يوم في مقر المقاطعة (في رام الله)”.

ويشير إلى أنه كان يذهب إلى مقر المقاطعة ليراجع مع الرئيس الراحل ما كان يحفظه من القرآن الكريم، لافتا إلى أنه “حفظ خلال الحصار 20 جزءا”.

ويكشف التميمي عن “عدم اتصال أي من الزعماء العرب بعرفات خلال حصاره”، قائلا “دخلت عليه ذات يوم، وقد كان مهموما ومتوترا وغاضبا، لتخلي الحكام العرب عنه وعدم اتصال أي منهم به أو الرد على اتصالاته خلال شهور الحصار”. (الأناضول)