رحلة شوي بدائية تمامًا..

تم نشره الإثنين 15 شباط / فبراير 2021 12:24 صباحاً
رحلة شوي بدائية تمامًا..
ابراهيم عبدالمجيد القيسي

لا اريد التفكير بخالد الزبيدي، إنه أصبح في ذمة الله، وكلنا تحت رحمته، لكن صورته ومنذ أسبوع تقريبا، لم تفارقني، ولم أتوقف عن التفكير فيه منذ أن قرأت آخر ما استطاع أن يكتبه على صفحته، وهو يصارع الكورونا، وجه فيها رسالة للأصدقاء وللأسرة كلها، محذرا من كورونا، وظهر تعبه من هذا الصراع من خلال كلماته التي تعبر عن حالة استسلام، ويأس وتعب كبيرين وعدم تركيز واضح، لكن المعنى النبيل من رسالته الوداعية وصلني، فشعرت بأنه ينعى نفسه إلينا، وكنت اترقب يوميا أن اقرأ شيئا جديدا منه، ولو كتب أي شيء لاعتبرته وقتها تحسنا في حالته، حتى ليلة سماعي نبأ رحيله، وجدت نفسي أدعو له بالشفاء، وعلى الرغم من كل هذه المقدمات أو النهايات، إلا أنني فوجئت وتعبت حين سمعت نبأ رحيله، الذي كان قد نقله لنا في كلمات وداعية، تحذرنا من كورونا القاتل..

علاقتي بخالد الزبيدي كانت عادية، ولا أقول هذا لأن تواصلي معه مستمرا، لكن تعبيرا عن توافقي معه واعترافا مني بأستاذيته في الصحافة الاقتصادية، علاوة على رهافة حسه وأدبه، ورقته ونعومته في التعامل والحوار وتبادل او توصيل الفكرة والمعلومة بلغته الجميلة، وكانت آخر مرة على لقاء طويل نسبيا جمعني به، حين زارني في مكتبي ومكث قرابة ساعتين، اتفقنا بعدها على أن نذهب الى جلعاد، ونشتري له مجموعة من الخراف البلدية، ليربيها في مزرعته في جرش، وعقدنا النية لكننا كنا ننتظر أن تنخفض أسعار الخراف قليلا.

بعد سماعي النبأ السيئ، قررت عدم الخروج من المنزل، بعد أن كنت جهزت نفسي للخروج، وضبطت نفسي بأنني أتهيأ للتفكير حدادا على خالد، لكنني خشيت الدخول في هذا النفق المرعب..

فماذا أفعل؟ وكيف أخرج من هذا الموقف؟ هل أخرج في مشواري اليومي المعهود؟ قلت لنفسي إن الوقت مبكر على السير مشيا، حتى إن درجة الحرارة مرتفعة، ومع هذا وجدت نفسي اسير على الشارع باتجاه شفا بدران، وتذكرت بأن خالد يسكن هناك حسب قوله لي قبل سنوات، يوم كانت سيارتي بالتصليح، وكنت أهم بتوقيف تاكسي من أمام الجريدة، لكن خالد قال لي: انت ساكن جهة الجامعة حسب ما قرأت في إحدى مقالاتك، تعال اوصلك بطريقي، فركبت معه، وأوصلني مرة أخرى غيرها.. وكان يتجنب سؤالي عن شيء سوى (لساتك ما صلحت سيارتك؟)..!!

وقد عاتبني يوما على نزقي وشدة غضبي، ونصحني : يا زلمه هدّي شوية، انت المستقبل قدامك، ولا تجعل الغضب يخسرك امتيازاتك التي حصلت عليها بعد تعب...

ومع ذلك فإن الوجهة الى شفا بدران ستجعلني أغوص أكثر بالفقدان وأوجاعه، وكنت أستجمع مهاراتي للتركيز على شيء آخر، متحديا قلبي بأنني سأتغلب عليه، وصرت أقوم (بتشليت) أية حجر في طريقي، او علبة بيبسي او زجاجة خمر ألقاها السكارى على جنبات الشارع، حتى إنني (شلتت) ما اعتقدت أنه سلك معدني، ملفوف على بعضه قليلا، فإذا به (سيخ شوي)، استخدمه أحدهم لغاية غير الشوي، وهو ربما ربط به شيئا ثقيلا، ثم تخلص منه بعد أن استخدمه، وحين ضربته (شلّوت)، ألحق ضررا في المنطقة السفلى اليسرى من (البوت) الرياضي الخاص بأحد أبنائي، والذي ارتديه كلما قررت السير لمسافات ما، التقطت (سيخ الشوي)، وبدأت بتقويمه.. ونسيت التفكير بخالد، وابتدأ التفكير بالسّيخ والشواء لكن على طريقة روايات الأفلام الوثائقية:

كيف كان مذاق اللحم المشوي، حين اكتشف الإنسان البدائي المتوحش النار أول مرة؟ ..

ثم تذكرت طفولتي، عندما كنت (أنصب الفخاخ للعصافير)، ولم تكن مجرد تسلية، بل كان عملا للبحث عن وجبة مشوية من لحم العصافير، هو في الواقع لم يكن كله مشويا، حيث كنت غالبا آكل العصفور الأول بلا شوي ولا نار، ثم أقلل الكمية من العصفور الثاني، وأكتفي بأكل رأس العصفور الثالث والرابع نيئا، وبعدها أجمع ما أصطاد، ثم أشويها.. يا لتلك النكهة الكاملة!.

بدأت أجمع كل ما أجده في طريقي من أسلاك معدنية، فإذا بي أنجح في تجميع شبكة شواء.. وأنا أمشي..وأنا وأنا أمشي، وفي مكان أعرفه مقابل إحدى العمارات، ثمة بعض الأغصان التي تم تقليمها حديثا ورميها في شارع، أعرفه، لأنني كلما مررت به كنت آخذ منه مِطرقا (أحد الأغصان الرفيعة والذي يشبه في قوامه الخيزران)، فانا أحن لتلك الأيام التي كنت فيها أرعى غنما وبقر، وأحمل في يدي عصا، تضفي على جسمي وتفكيري رشاقة، لكن هذه المرة جمعت رزمة فيها أكثر من 50 غصن، وتذكرت طفولتي، وأيام كان دوري في التحطيب يوم كنا أطفالا في عائلة تسكن بيت شعر، ولا يوجد لديها مصدرا للطهي سوى الحطب و (الجلّة والحرَز)، ثم ربطت (حزمة الحطب) بعلاقة ملابس معدنية وجدتها في طريقي، بعد أن أعدتها الى سلك طوله حوالي متر، وتابعت المسير، وأصبح منظري بدائيا، يستأثر بتركيز الذين أصادفهم على الطريق، حتى من يقودون السيارات، وحين وصلت (سامح مول) في شفا بدران، وضعت خارجه ما أحمله خارج المول، وهي: حزمة الحطب وشبكة الشواء والسيخ الذي قمت بتعديله، ثم أخرجت (الكمامة) وبعض المحارم الورقية من جيوب الجاكيت (الغويطة)، وجففت العرق المتصبب من جبيني، فقد تعرق وجهي ورأسي حتى رقبتي، لأنني أسير ساعة الظهيرة، وأصعد مرتفعا طويلا في جوّ لاهب بالنسبة لموسم الشتوية وملابسها، وكانت درجة الحرارة قد تجاوزت 20 مئوية..

دخلت المول، وتسوقت (كيلو لحمة عجل)، و6 حبات بندورة ومثلها بصلا، و4 قرون فلفل حار، ووضعت قليلا من الملح المتساقط من أكياس الملح في ورقة، وذهبت لركن البهارات، وأشرت الى الفتاة :

بالله حطيلي قدهم فلفل أسود، وقمت بلف الورقة على هيئة سيجارة دخان عربي، وتناولت كيس خبز شراك، واشتريت (قداحة)، فأنا لم احملها منذ أكثر من عامين، حين تحولت للتدخين بالسيجارة الالكترونية، وقبل أن أحاسب الكاشير، سألته:

عندكو سكاكين؟.

فقال لا، بدك تقتل مين؟ فوضعت أصبعي على فمي محذرا...اسكت لا تفضحنا هذي عملية اغتيال...لا تضيعنا..هاظ اغتيااااااال.

فضحك لكنه سأل احدى الفتيات التي تقوم بتعبئة مشتريات الزبائن في أكياس :

بتعرفي اذا فيه عنا سكّين ؟! أجابت بالنفي، لكن موظفا آخر سمع السؤال، وأراد أن يتخابث لكن بخفة دم وافتعال الدهشة:

عن شو سألتها، فأجبته أنا لكن بلغة جسد، تعبر عن الطعن، لأثبّت دهشته المصطنعة وأضيف لها حيرة ارتسمت على وجهه، ثم قلت له:

سكيييين سكين وحركة تدل على الطعن...

لكن لم يكن هناك سكينا، ثم تذكرت ان أشتري عبوة مياه حجمها لتر، وخرجت من المول، وذهبت حيث وضعت حزمة الحطب والشبكة المعدنية والسيخ، وتحركت هذه المرة سيرا على الأقدام، لكن بحمل جديد وهو الأكياس وما فيها.

وصلت الى الأرض الواسعة المزروعة شعير، والواقعة غرب جامعة العلوم التطبيقية، فهو مكان اعتدت الجلوس فيه صيفا وشتاء كلما قررت ان يكون خط مسيري من تلك الناحية، وقلت لنفسي كالممسوس الذي يحدث أحدا، حيث لا أحد غيري :

يالله نشوي مثل أيام زمان.

كان العرق يتصبب مني أكثر غزارة، وذهبت أحتطب حطبا ثقيلا، وحيث لا أشجار في المنطقة، سرت على أطراف الشارع حيث تجري مياه الأمطار، وتجر ما تصادفه في طريقها، فوجدت ساقين كبيرين نسبيا لشجرتي لوزيات، القاهما أحدهما ربما مع الردم الملقى على جوانب الطريق، وجرفتهما مياه الأمطار، لكنهما جذعان يمكنهما طهو ذبيحة كاملة، حملتهما الى (جَلَدة) في عمق الحقل الفسيح، ثم أشعلت النار ب(قدحة واحدة)، فالأعشاب الجافة كثيره وسريعة الاشتعال، وحزمة الحطب التي أحضرتها بالإضافة للجذعين، كلها عناصر بل (أركان) نار، اشتعلت بسرعة وبطريقة مثالية، فالهواء يسري شرقيا خفيفا، والظرف مثالي للاشتعال، وصدقوا او لا تصدقوا، عثرت على (باكيت محارم كامل ومغلق في المكان)، ربما تركه متنزهون جاءوا قبلي بوقت قليل او ربما بيوم او يومين، وهذا (الباكيت) كغيره مما صادفت وجمعت في الطريق، كلها عناصر وضعها القدر في طريقي، لأمضي في محاكاة لرحلة شواء بدائية دون تحضير مسبق، وهي بدورها مجرد فكرة لمعت في ذهني، لأنتصر على قلب أمنعه أن يطوف في نبأ عن فقدان لزميل وصديق وجار في الصفحة الأخيرة من جريدة الدستور.

وززت النار ببعض المطارق من حزمة الحطب (كم شخص يعرف كيف يوزّ النار؟).، وبعد أن احترق جزء من الشجرتين، أصبح لدي كومة من الجمر، (فهدتها) بغصن قوي (من يعرف كيف يفهد جمرا؟)،وكنت قد (دملت) بالتراب (كلنا سنندمل في التراب نهاية المطاف)، دملت الأجزاء التي ما زالت مشتعلة من باقي الشجرتين..فانطفئتا، ثم وضعت السيخ والشبكة على النار فترة من الوقت لتعقيمهما تماما، و(شككت) في السيخ بصلا وبندوة وفلفلا حارا، بينما وضعت شريحة اللحم الأولى الكبيرة على الشبكة، وهي المرة الأولى منذ سنوات، والتي اقوم فيها بالشواء دونما انفعال وتركيز زائد عن الحاجة، وكأنني أدير ورشة فنية دقيقة..

مجرد قطعة لحم على شبكة من أسلاك معدنية جمعتها يدويا مما وجدته في طريقي، وسيخ شواء، كنت قد ضربته (شلوت) للتسلية، فأصبح الآن مستقرا على جمرٍ، يحمل 3 حبات بندورة و3 حبات بصل وقرنين من الفلفل الأخضر الحار، وثمة ملح في ورقة مخلوطا بمسحوق فلفل أسود وملفوفا على هيئة سيجارة هيشي، وحجر، دحرجته الى مكان النار وجلست عليه .. والعرق ما زال (يتفصد من جبيني)، ومن حوليسجادة خضراء عملاقة فسيحة، وهناك على رأس الجبل ارى منزلي، رغم أنني مشيت ? كيلو متر مبتعدا عنه.. إذا:

ماذا بقي لتكتمل الحفلة؟..

بدأت تقليب قطعة اللحم على الشبكة، وشربت ماءا (شربت نصف قنينة الماء قبل الأكل).. وقطعت رغيف شراك الى 4 أجزاء، ثم وضعت ملحا إضافيا على قطعة اللحم، ورفعت الشبكة وسيخ البندورة والبصل عن النار، وحيث لا يوجد معي لا صحنا ولا سكينا، ولا سلطات ولا مشروبات غازية ولا (صُص)، انا فقط، وقطعة لحم عجل تزن نصف كيلو، تكتنز عصارة، والأكل وحشي، على الطريقة البدائية، اللحمة باليد اليمنى، والقطع نهشا مباشرا بالأسنان، وحبة بندورة مشوية باليد اليسرى، بالتناوب مع خبزة شراك او بصلة او فلفل، وتتوالى النكهات تتفجر في فمي وحلقى حتى المعدة، فأنا لم آكل شيئا هذا اليوم سوى ملعقة عسل واحدة قبل طلوع الشمس، وفنجاني قهوة، وماء، والآن وجبة هي (تحفة) في الواقع، تغوص في البدائية والبساطة والتوحّش، (لن تعرف طعم اللحم المشوي إلا بهذه الطريقة من الشواء والأكل والأدوات والأجواء).. ولم اتوقف كثيرا عن الأكل انتظارا (لتنضج) القطعة الأخرى، وكنت أعتقد بأنني سأشبع، وأعيدها معي الى المنزل، لكنني أجهزت على الكيلو كاملا، وبقيت بحوزتي فقط 3 حبات بندورة، ومثلها بصلا وقرنا واحدا من الفلفل، وأقل من ربع قنينة ماء ورغيفين من خبز الشراك، و(باكيت محارم) أصبح شبه مملوء بعد أن كان مملوءا.. وبالتراب، فركت يديّ بعد أن غلفهما الدهن، وحين كنت افركهما بالتراب، تذكرت نهايتنا، ولمعت من جديد في ذهني صورة خالد الزبيدي، فقلت رحمه الله، سيكون التراب اليوم مأواه..

رفقا به وبنا أيها التراب، إنك كل الوطن حتى نرتفع إلى السماء.

رحم الله خالد.

وأحسن مثواه.

الدستور 



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات