الأردن وإسرائيل "ضرب تحت الحزام"

تم نشره الخميس 25 آذار / مارس 2021 11:05 مساءً
الأردن وإسرائيل "ضرب تحت الحزام"
نضال منصور

قُتل الملك عبد الله الأول المؤسس لإمارة شرق الأردن على أبواب المسجد الأقصى في القدس، حين كانت الضفة الغربية جزءا لا يتجزأ من الأردن. منذ ذلك الوقت لم يسجل التاريخ أن ملكا أردنيا أو ولياً للعهد قد وطأت قدماه القدس خوفا أو توجسا من إعطاء شرعية للاحتلال الإسرائيلي، أو انتقاصا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

في الأردن كان مُباغتا ومُحيرا خبر إلغاء زيارة ولي العهد الشاب الأمير حسين إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، ورغم توضيحات وزارة الخارجية الأردنية أن الزيارة كانت دينية لأداء الصلاة، فإن السؤال الذي ظل عالقا، لماذا هذه الزيارة التي لم يكن لها سوابق طوال العقود الماضية؟

زيارة ولي العهد التي ألغيت في اللحظة الأخيرة ذكرتني بأول صورة التقطت علنا لمصافحة بين ولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال ووزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز عام 1993 قُبيل توقيع اتفاقية وادي عربة، حينها كتب الإعلامي فهد الريماوي مقالا غاضبا في جريدة شيحان، وكنت مديرا لتحريرها، يتساءل من أقنع الأمير بالسلام على بيريز؟

الأمير الحسن كان "خطا أحمرا" في الصحافة حينها، وبعد جدال صاخب وطويل تم الموافقة على نشر المقال الذي تضمن نقدا للقاء، وأحدث عاصفة من ردود الفعل في الشارع الأردني.

وعن هذه المصافحة التي أحدثت صدمة في الأردن كتب الإعلامي، أحمد سلامة، المُقرب من الأمير، والذي كان يعمل في إعلام القصر، مقالا بعد سنوات طويلة يستشهد فيه بمقابلة أجراها الأمير الحسن مع رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، طلال سلمان، وكان عنوانها "ذهبنا إلى واشنطن بمذكرة جلب" في غمز واضح أنه كان مُكرها على لقاء بيريز والسلام عليه.

فهمت زيارة ولي العهد التي لم يُكتب لها النجاح أنها محاولة فرض صورة جديدة للأمير، واشتباكه أكثر مع الملف الفلسطيني البالغ الحساسية، وفي حال نجحت كما كان مخططا لها أردنيا، فإنها ربما تكون محاولة جس نبض أو بالون اختبار، وفي كل الأحوال يستفاد منها بأنها تُعيد فرض وإحياء الوصاية الهاشمية التي تسعى إسرائيل للنيل منها.

في المحصلة كانت إسرائيل تريد توظيفها لتأكيد ولايتها وسيطرتها على القدس كعاصمة لها، ولهذا افتعلت الأزمة، ووضعت الشروط التي تحول دون أن يكون للأمير حرية الحركة بدءا من تحديد عدد مرافقيه وحراسه، مرورا بالاعتراض على الأسلحة الموجودة بحوزة حمايته، وانتهاءً بخط سير الرحلة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يكره الأردن، لم يفوت الفرصة قُبيل الانتخابات لاستعراض، لم يفوت الفرصة قُبيل الانتخابات لاستعراض قوته أمام الأردن، وتباهى بتعطيل الزيارة لأنها لم تكن وفق أجندتهم، وبالمقابل لم تتأخر الصفعة الأردنية برفض مرور طائرته عبر الأجواء الأردنية للذهاب في زيارة انتخابية إلى أبوظبي.

كل المحاولات التي بذلها رئيس الشاباك في اللحظات الحرجة لحل المشكلة وتذليلها وجدت أبواب أردنية موصدة، وكل الهواتف كانت مغلقة، وملخص القول إن الأردن ليس "حيط واطي" للقيادة الإسرائيلية.

كادت قصة تعطيل زيارة ولي العهد الأردني إلى القدس، وما تبعها من رفض انتقال نتانياهو بمروحية إلى عمّان لتُقله طائرة إماراتية إلى أبوظبي أن تخلق أزمة شائكة، خاصة حين أصدر نتانياهو -حسب معلومات نشرتها الصحافة الإسرائيلية- أوامر إلى سلطة الطيران بإغلاق المجال الجوي مع الأردن، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض.

وبغض النظر عن النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية، وسواء نجح نتانياهو أم فشل في تشكيل الحكومة؛ فإن صفحة الخلاف مع الأردن لن تُطوى اليوم أو غدا، وما يُصرح به وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس "نتانياهو يُدمر العلاقات مع الأردن" حقيقة، وليس كلاما مختلقا في إطار الصراع الانتخابي، ولكنها لا تتوقف عنده، وهو يعكس مواقف عموم اليمين الإسرائيلي الذي أصبح يرى في اتفاقيات السلام عائقا أمام تمدد سلطات الاحتلال ومشاريعها التوسعية.

أخطر ما قيل في هذا السياق ما نشره الكاتب الإسرائيلي روغل أوليفر عن توجهات وخطط اليمين الإسرائيلي بإسقاط وإزاحة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

وينوه هذا الكاتب إلى تزايد المقالات من كتّاب يمينيين يتحدثون عن تفجير اتفاق السلام مع الأردن، ويُشيرون إلى أن ضم غور الأردن عملية تكتيكية لضرب عصفورين بحجر واحد، ضم الضفة الغربية أولا، وإلغاء الاتفاق مع الأردن ثانيا، والهدف الاستراتيجي من كل ذلك إسقاط العائلة الهاشمية، وتجسيد حلم أن الأردن هو فلسطين.

ما يُخفف من قلق الأردن، ويُريحه من صلف نتانياهو أن حليفه الأساسي الرئيس الأميركي ترامب قد انتهى وغادر البيت الأبيض، والدلال الذي حظي به على حساب الأردن لن يتكرر، وإدارة بايدن ستُدير المشهد بطريقة مختلفة، والسباق الآن بين عمّان وتل أبيب من سيحظى بمقابلة الرئيس الأميركي أولا، ولمن سيُصغي بايدن؟

منذ شهر يونيو 2018، لم يلتقِ العاهل الأردني بنتانياهو، ولا يُتوقع أن يحدث ذلك قريبا، وعلى العكس فإن عمّان تفتح أبوابها لخصم نتانياهو غانتس، ويلتقي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بوزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي على جسر الملك حسين في مناكفة واضحة، ورهانات على تعزيز معسكر المُناوئين له، وأكثر من ذلك فإن الأمير الحسن بن طلال عم الملك عبد الله الثاني، وولي العهد السابق للأردن يوجه رسالة إلى الشعب الإسرائيلي في صحيفة يديعوت أحرنوت قد تُفهم أيضا بأنها في سياق الحملة المُناوئة لإعادة انتخاب نتانياهو، وتصف الكاتبة سيمدار بيري المقال بأنه "مناشدة للجمهور الإسرائيلي من فوق رؤوس رجال الدولة في القدس".

قبل أن تبدأ زيارة ولي العهد إلى القدس وئدت، وبعيدا عن مسوغاتها ومبرراتها السياسية فإنها أضرمت مجددا بنيران الخلافات مع القيادة الإسرائيلية، فالأردن لم يغب عن باله كل الخروقات والتجاوزات التي ارتكبها نتانياهو بحقه، فحتى الآن لم تُنسَ حادثة مقتل الأردنيين في السفارة الإسرائيلية في عمّان، والأكثر بشاعة استقبال نتانياهو للقاتل كبطل، ومن قبله قتل القاضي الأردني رائد زعيتر بدم بارد، ولا يوجد في سجل نتانياهو إلا الضغينة، واختلاق المشاكل مع الأردن.

صراع الإرادات مستمر بين الأردن وإسرائيل، والضرب تحت الحزام متوالي ولا يتوقف، فالأمير الشاب كان يريد أن يظهر بين المقدسيين كزعيم هاشمي يتحدى الاحتلال، ويفرض الوصاية الهاشمية ممارسة لا قولا مهما كانت التكلفة السياسية، ونتانياهو كان يريد أن يستثمر الزيارة ويوظفها على أن القدس ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية، ولن يدخلها حتى الأمير إلا بشروطهم، وتحت حراستهم ووصايتهم.

المصدر : الحرة