مدنية الدولة وإدارة الاختلاف

تم نشره الإثنين 12 تمّوز / يوليو 2021 12:39 صباحاً
مدنية الدولة وإدارة الاختلاف
عمر عليمات

يقول الدبلوماسي والكاتب الهندي شاشي ثارور في كتابه «الهند من منتصف الليل إلى الألفية»: فكرة الهند تقوم على أرض واحدة تضم شعوباً عديدة، إنها الفكرة التي تجعل أمة تتسم باختلافات عميقة وتظل قادرة على الالتفاف حول إجماع ديمقراطي، أي أن الجميع لا يحتاجون إلا إلى الاتفاق على قواعد أساسية حول كيفية الاختلاف».
الفكرة التي يطرحها ثارور هي كيفية إدارة الأمور دون إجماع، لتمكين الدولة من الازدهار والقدرة على مواجهة التحديات خاصة فيما يتعلق بتماسك النسيج الاجتماعي، فرغم كل مشاكل وفوضى الهند إلا أن الجميع متفق على الديمقراطية باعتبارها السبيل لتماسك الدولة وضمان عدم تفتتها.
إدارة الإختلاف تحت سقف المشترك الرئيسي تمثل الطريق الأنسب لأي دولة تريد أن تتقدم باتجاه مدنيتها دون أن تصطدم بالولاءات والانتماءات الفرعية، بحيث لا يشعر أي مكون بتهميشه بشكل يولد لديه حالة من الحقد الاجتماعي والاحتقان الصامت، وهذا ما يؤكد ضرورة إعطاء الجميع مكاناً تحت الشمس لممارسة أفكاره ومعتقداته دون أن تتقاطع مع القواعد الأساسية للدولة باعتبارها كياناً سياسياً حاضناً لجميع الفئات التي تعيش في محيطه الجغرافي.
لغة الإجماع التام لغة عقيمة وغير واقعية، ولا يوجد كيان سياسي قائم على مكون اجتماعي أو فكري واحد، وتجربة الأنظمة الشمولية تجربة أثبتت فشلها في صهر الجميع ضمن بوتقة واحدة، إذ بمجرد زوال قوة الإلزام الجبري تنقلب الأمور إلى فسيفساء متصارعة وغير متسقة بحيث تكون أقرب إلى التفتت منها إلى التماسك والقوة.
في الأردن ونحن نناقش تحديث المنظومة السياسية على اللجنة المكلفة بدراسة القوانين الناظمة للانتخابات والأحزاب والحياة السياسية أن تضع في اعتبارها أهمية الخروج بمنظومة جامعة تستند إلى القواسم المشتركة بين مختلف الفئات الاجتماعية بعيداً عن إشكالية الإجماع وفكرة أن يتفق الكل على رؤية واحدة وطريق محدد بحيث يصبح القانون أقرب إلى القيد الذي يمنع الاختلاف والتعبير.
تطوير الحياة السياسية موضوع يتناقض تماماً مع فكرة الإجماع، إذ لا يمكن الوصول إلى إطار يرضي جميع الأطراف، فالمشاركة السياسية تقوم من حيث المبدأ على التنوع الفكري، لذلك الأولى التركيز على وضع آليات قانونية لإدارة الاختلاف عبر ممكنات ديمقراطية، فعندما يصل الجميع إلى قناعة بأن آرائهم وأفكارهم غير مقيدة ويستطيعون التعبير عنها دون أي معوقات قانونية أو إدارية سواء معلنة أو غير معلنة سيكون من الممكن الذهاب بشكل جدي تجاه منظومة أحزاب قادرة على التأثير البرامجي وايصال صوتها بعيداً عن فوضى الاستعراض الشعبي.
الغاء الاختلاف غاية لن يدركها أحد، ولعل المبدأ السائد في الديانات السماوية والذي يتفق فيه الجميع على جوهر العقيدة فيما يختلفون في التفسير وآليات التنفيذ أكبر دليل على أن البشر لا يمكن جمعهم وفق منظومة تفصيلية واحدة، بل لا بُد من ترك مساحة يستطع فيها الناس التعبير عن اختلافاتهم بالشكل الذي لا يخرج عن العنوان الرئيسي والثوابت الأساسية.
باختصار فإن المطلوب اليوم هو وضع الأسس الكفيلة بتعظيم حق الاختلاف وإدارته بطريقة لا تلغي مكوناً أو فئة أو فكراً، فكلما كان الطرح تحت الشمس كان أقرب إلى الاعتدال والمنطقية وكلما حوصر كان أقرب إلى التطرف والشعبوية.

الدستور



مواضيع ساخنة اخرى