تونس.. القيادة نحو المجهول وفرص الحوار

تم نشره الأربعاء 28 تمّوز / يوليو 2021 12:43 صباحاً
تونس.. القيادة نحو المجهول وفرص الحوار
حازم عياد

الازمة التي اشعلها قرار الرئيس قيس سعيد بإقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن اعضائه تتفاعل على الساحة الداخلية والاقليمية لترسم مسارات متعارضة؛ فالقوى السياسية التونسية لم تتخذ موقفا موحدا من تحركات الرئيس قيس سعيد؛ فبعضها رأى في الخطوة انقلابا ومقدمة للتفرد بالسلطة والاستبداد.
في حين رأى آخرون انه تحرك مشروع ودستوري؛ في مقابل قوى سياسية وعلى رأسها اتحاد الشغل نظر للخطوة كأزمة سياسية بين النواب والحكومة من جهة والرئيس من جهة اخرى.
الشارع التونسي انقسم بدوره بين من يدعو الى الاطاحة بالرئاسات الثلاث: رئيس الجمهورية والبرلمان والحكومة، وبين من يدعو الى دعم الرئيس مقابل دعم يحظى به النواب والرافضون لتحركات الرئيس.
في مقابل ذلك كله تقف كتلة وازنة في حال ترقب وقلق من مآلات الازمة القابلة للتطور نحو استبداد وتفرد مطلق لسعيد او تحرك واسع للجيش واجهزته للانقضاض على السلطة بالكامل والاطاحة حتى بالرئيس سعيد بحجة إدخاله البلاد في ازمة وفشله في معالجة الملف؛ او الخوف من العنف والفوضى والدخول في ازمة سياسية مزمنة لا مخرج منها لسنوات في ظل موازين قوى داخلية واقليمية ودولية متأرجحة.
تونس ليست مصر او سوريا اوليبيا او اليمن او السودان؛ اذ ان لها خصوصية ثقافية وسياسية وجيوسياسية اتضحت منذ اللحظات الاولى للازمة بردود الفعل الداخلية والاقليمية والدولية؛ ازمة لها مسارها الخاص؛ فرغم خطورة الخطوة المتبعة من الرئيس التي دفعت البلاد الى حافة الهاوية والى قلب ازمة فمن الممكن ان تطول وتتطور وتتفاعل على نحو سلبي محليا واقليميا لتطال شخص الرئيس سعيد نفسه كضحية لها في المستقبل.
ازمة تطال الاقليم بأكمله بما فيه حوض المتوسط الزاخر بالمهاجرين وقوارب الموت؛ فتونس على مفترق طرق جيوسياسي تتجاذبها قوى مغاربية متنافسة كالمغرب والجزائر والقوى الليبية المتصارعة الى جانب قوى مشرقية عربية طالما تورطت في ملفات مشابهة في عدد من الدول العربية؛ حقائق سياسية وجيوسياسية تجعل من تونس صاعقا يتهدد استقرار حوض المتوسط والدول المغاربية.
هواجس وموازين قوى تدفع نحو التهدئة وعدم الاندفاع نحو ردود فعل طائشة؛ فالدعوات للحوار لا زالت تتحكم بالعقل السياسي التونسي حتى اللحظة؛ امكن ملاحظة ذلك لدى حركة النهضة التي تعد طرفا اساسيا في الازمة بميلها نحو الحوار وتوفير الفرص للوساطات؛ ما عكسه تجنب الدعوات لحشود كبيرة في الشارع والاكتفاء بالتحركات الرمزية؛ بل الاتجاه نحو سحب مناصريها المعتصمين امام بوابات البرلمان وتجنب الصدام مع مؤيدي سعيد.
تحركات النهضة قابلها تحركات القوى المدنية والاحزاب السياسية التي وصف الكثير منها خطوة الرئيس بغير الدستورية في مقابل تعامل قوى اخرى بحذر مع خطوة الرئيس لتداعياتها الخطرة على الحريات العامة؛ خصوصا انه اعتمد على الجيش في تمرير قراراته؛ فالساحة السياسية تتأرجح بتأثير من كتلة حرجة تنظر بقلق وترقب لخطوات الرئيس والمؤسسة العسكرية التي عمدت لملاحقة بعض الوسائل الاعلامية وبدأت التضييق على حركة الشارع ما قد يدفع بقوة نحو تشكيل تجمع صلب للوقوف في مواجهة الرئيس وحلفائه واعادة التوازن للساحة الداخلية.
التأرجح ووجود كتلة اجتماعية وسياسية حرجة بحد ذاته مثل رادعا من الممكن ان يكبح جماح الرئيس من المضي بخطوات اكثر قمعية وراديكالية؛ فضلا عن قلقة من ان يتحول الى ضحية وجسر لعبور الطامحين للسلطة بتحميله مسؤولية الازمة ليطاح به من قبل المؤسسة العسكرية والامنية في المستقبل في حال فشلت خطواته السياسية وبات عبئا على داعميه ليتحول الى مجرد مرحلة انتقالية سرعان ما سيتم تجاوزها من قبل القوى الفاعلة في الدولة العميقة.
هواجس وحسابات تدفع الاطراف كافة نحو الحوار؛ فالاتحاد الاوروبي احد ابرز الشركاء التجاريين والداعمين لتونس ماليا حمل دعوة للحوار على لسان رئيس البرلمان الأوروبي، ديفيد ساسولي، يوم امس الاثنين، اذ دعا عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" جميع الأطراف في البلاد إلى حل خلافاتها بالحوار؛ فالاطراف الاوروبية تنظر الى ما يحدث باعتباره ازمة تحتاج الى الحوار فلم تقدم في دعم مطلقا للرئيس او تزكي خطواته الاشكالية وهو ذات التوجه لدى الولايات المتحدة التي دعت الى العمل من خلال الدستور وآلياته لحل الازمة على لسان خارجيتها التي عبر عنها انتوني بلينكن في اتصال مع قيس سعيد بالدعوة للحفاظ على حقوق الانسان ومراعاة حرية التعبير وانتقاد الخطوات المتبعة تجاه الصحافة وعلى رأسها الجزيرة.
الاطراف المحلية وعلى رأسها القوى السياسة وحركة النهضة بقيت منفتحة على الحوار فلم تتوجه نحو التصعيد لتبقى الكرة بيد الرئيس الذي تعهد بحماية المسار الديموقراطي بحسب زعمه بعد لقاء مع اتحاد الشغل في قرطاج؛ الا انه لا يزال يملك القدرة على التصعيد من خلال رفع الحصانة عن اعضاء البرلمان الذي جمد لثلاثين يوما؛ ما يفتح له الباب لاستهداف رموزه وقادة الاحزاب فيه بشكل يقود البلاد الى المجهول؛ فإما ان ينفتح الرئيس على الحوار او يمارس صلاحياته منفردا بمزيد من الاجراءات التعسفية التي لا كابح لها نحو المجهول.
تصعيد لا يبدو ان الرئيس سعيد يملك فرصة كبيرة للاندفاع فيه، فموازين القوة الداخلية والاقليمية والدولية تقوده نحو المجهول فلا تشجع الرئيس على المضي بعيدا في ذلك فضلا عن كونها مغامرة من الممكن ان تنتهي بتغول المؤسسة العسكرية كمقدمة للاطاحه به شخصيا؛ الضوابط كثيرة؛ ليبقى الحل الامثل المسارعة للحوار وتجنب الدخول في نفق ازمة طويلة تفاقم معاناة البلاد الصحية والاقتصادية وتقوض استقرارها على نحو خطير.
ختاما ..
الخيار لا زال بيد التوانسة للحوار للمسارعة بالخروج من الازمة بأقل الخسائر والكلف؛ خيار من الممكن ان يحظى بدعم دول اقليمية كالجزائر التي سيلتقي وزير خارجيتها مسؤولي تونس في زيارة مستعجلة فالحد من التفاعلات الداخلية والتدخلات الاقليمية والتشجيع على الحوار وتجنب الاقصاء الوسيلة المثلى لتجنب الخراب؛ فهل ستتجه البلاد نحو احتواء الازمة والحد من الخسائر والكلف ام ستندفع نحو مجهول تصوغه التجاذبات الاقليمية والمحلية وسياسة الإقصاء التي تهدد بتمزيق وحدة واستقرار البلاد.

السبيل 



مواضيع ساخنة اخرى