لماذا كانت تظاهرة تل أبيب أضخم من تظاهرة رام الله؟!

تم نشره الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2020 07:30 مساءً
لماذا كانت تظاهرة تل أبيب أضخم من تظاهرة رام الله؟!
معتصم حمادة

قد يبدو هذا السؤال لبعض الأطراف والقوى استفزازياً، ومثيراً للحفيظة، بل ربما رأى فيه البعض الآخر، محاولة للإثارة الصحفية. ولكن أياً كانت ردود الفعل، فإن الواقع يؤكد أن تظاهرة تل أبيب، ضد مشروع الضم وتطبيقاته، بمشاركات عربية ويهودية، كانت أضخم من تظاهرة رام الله. في تل أبيب، كما تقول وسائل الإعلام، خرج الآلاف ضد الضم، أما في رام الله، فتقول وسائل الإعلام (أيضاً) أن التظاهرة كانت بالمئات.

وحتى لا يصطادني أحد في مياهه العكرة، أضيف إلى القسم الأول من السؤال قسماً ثانياً يقول: ولماذا لم تشهد غزة تظاهرة كالتي شهدتها تل أبيب أو رام الله؟

وحتى لا أعطي فرصة للبعض للجوء إلى المزايدات، وكأنني أغمز من قناة الشعب وحركته الجماهيرية، أسارع القول بالتأكيد أن المعضلة ليست في استعداد الشارع الفلسطيني، لا للتظاهر ضد «صفقة ترامب والضم» فحسب، بل هو على استعداد لكل أشكال المواجهة مع الصفقة ومع تطبيقاتها، ومع الاحتلال، ومع عصابات مستوطنيه. وما «الانتفاضة المجتمعية، وانتفاضة الأفراد»، التي تمتد في طول الضفة المحتلة (وفي القلب منها القدس) بكل وسائل النضال إلا تأكيداً على أن المجتمع، سبق قياداته السياسية في السلطة، وفي م. ت. ف. أشواطاً في حسم موقفه من الاحتلال والاستيطان، وما التضحيات الكبرى للشارع الفلسطيني في القطاع، في مسيرات العودة وكسر الحصار، إلا تعبيراً لا يحتاج إلى تفسير، حول استعداد الشارع للالتحام في معارك التحرير، وأن العوائق، التي تعطل مسيرته ونهوضه، وتطوير انتفاضته نحو انتفاضة شاملة، تتركز في اثنتين:

• ضعف اليقين، وضعف الثقة بجدية السلطة الفلسطينية واللجنة التنفيذية في المواجهة حتى المدى المطلوب.

• الانقسام المدمر، الذي أقام حاجزاً بين الضفة والقطاع، ويكاد أن يخرج القطاع من السياق العام للمواجهة، لافتقار طرفي الانقسام إلى الإرادة للتوحد على برنامج عمل وطني مشترك، وتجاوزهما لمحنة الانقسام.

* * *

منذ إعلان 19/5/2020، «التحلل» من الالتزامات والتفاهمات، والسلطة الفلسطينية ترسل الإشارة السياسية وعكسها، ما يؤكد أن السلطة، واللجنة التنفيذية لا تمتلكان، حتى الآن، استراتيجية مواجهة واضحة المعالم.

• فتصريحات وزير خارجية السلطة ورسائل الخارجية مع محكمة الجنايات الدولية، تؤكد أن السلطة لم تلغِ «اتفاقات أوسلو، وبروتوكول باريس»، وأنها ما زالت تشكل الأساس السياسي لعلاقتها مع دولة الاحتلال.

• ورئيس الحكومة يعترف أن السلطة لم تقترب حتى الآن من ورقة سحب الاعتراف بإسرائيل، ما يدعو للتساؤل عن مغزى هذا الأمر، وعن معاني اعتراف م. ت. ف. بإسرائيل بعد أن قطعت دولة الاحتلال الشوط الضروري وانتقلت إلى مرحلة الضم، وأن الضم بات، بوضوح، هو خطة حكومة نتنياهو ـ غانتس، وأن التحضيرات تجري على قدم وساق، في الجانب الإسرائيلي لاستقبال استحقاقات الضم وتداعياته.

وإذا كان البعض يعتقد أن بالإمكان اللجوء إلى ورقة سحب الاعتراف بإسرائيل بعد أن تكون قد لجأت إلى الضم، وشرعت في تطبيقه، فهو اعتقاد ساذج سياسياً، لأن «الورقة»، بعد الضم، ستفقد قيمتها، فإسرائيل تكون قد بنت وقائع ميدانية، لها تداعياتها المحلية، والإقليمية، والدولية، وفي ازدحام المواقف والتداعيات، سوف يصبح من الصعوبة بمكان مواصلة سياسة المناورات، لأن السلطة، تكون في واد، والواقع العملي في وادٍ آخر.

• كما أن سلسلة التصريحات التي تعطى، هنا وهناك، لصحف عربية وغربية، توضح أن السلطة واللجنة التنفيذية، لم تحسم أمرها حتى الآن للذهاب في المواجهة إلى الحدود المطلوبة، وأن الرهانات الهابطة والفاشلة ما زالت تعشش في بعض الرؤوس، عن احتمال أن يؤدي الضغط الدولي على إسرائيل للتراجع عن مشروع الضم وتطبيقاته، وعلى قاعدة «إذا عدتم عدنا». أي إذا عادت إسرائيل عن قرار الضم، تعود معها إلى كل أشكال التعاون في إطار الاتفاقات التي ما زالت قائمة ولم تلغَ من قبل السلطة واللجنة التنفيذية، في تعطيل فاقع لقرارات المجلس الوطني في دورته الأخيرة وللمجلس المركزي في 15/1/2018.

• كذلك بدأت سياسات الرهانات الفاشلة تحاول أن تستعيد الماضي القاتل من خلال العمل على إحياء الرباعية الدولية. وما الكتاب الذي أرسلت السلطة والتنفيذية إلى الرباعية الدولية «لتوضيح» موقفها من «خطة ترامب»، إلا مناورة مكشوفة، هدفها أمران:

• الأول: الاعتراف رسمياً بإحياء الرباعية الدولية، واعتمادها مخرجاً لأزمة تعطل المفاوضات، بما هي الخيار السياسي الوحيد للسلطة الفلسطينية.

• والثاني: فتح باب الاشتباك السياسي مع صفقة ترامب، نزولاً عند نصائح عربية وغربية، للوصول إلى ما بات يسمى بـ«الحلول الوسط»، أي حلول لا ترتقي إلى الحد الأدنى للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتشكل انتهاكاً وتمرداً صريحاً على قرارات المؤسسة الوطنية في المجلسين الوطني والمركزي.

ولعله غاب عن بال أصحاب فكرة إحياء الرباعية الدولية، أن من شأن هذه العملية المفلسة مسبقاً، أن تضعف الضغط الأوروبي والدولي عامة، على الجانب الإسرائيلي لوقف الضم، وتصبح المسألة المركزية على جدول أعمال العواصم الفاعلة هو هندسة عملية إحياء الرباعية الدولية، باعتبار هذه «الهندسة» أقل كلفة سياسياً من الضغط على إسرائيل والافتراق عن الولايات المتحدة.

* * *

القضية ليست في الشارع، هي لم تكن يوماً، ولن تكون قضية الشارع واستعداده للنهوض والمقاومة والمجابهة والثبات والتضحية. هو الذي صنع الانتفاضة الأولى. وانقلبوا عليها في أوسلو. ومع ذلك استعاد قواه وصنع الانتفاضة الثانية، وأجهضوها بوعود فارغة، أهدرت فرصاً كبرى.

استراتيجية الرهانات الفاشلة لا تعبئ شارعاً سياسياً.

استراتيجية التلعثم السياسي لا تعبئ شارعاً سياسياً.

استراتيجية المناورات الحائرة لا تعبئ شارعاً سياسياً.

استراتيجية التكتم وعدم مكاشفة الرأي العام لا تعبئ شارعاً سياسياً.

كذلك لا تعبئ الشارع سياسة الانقسام والإمعان في الانقسام والالتفاف على نداءات ودعوات إنهاء الانقسام.

أعطوا الشارع ما يريد. أعيدوا له الثقة بجدوى السياسات الرسمية، وخذوا منه ما يحب أن يعطيه