الروس وتحالف العصبة المقدسة

تم نشره الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2022 12:36 صباحاً
الروس وتحالف العصبة المقدسة

لم يكن دخول الروس لأول مرة في تحالف أوروبي صريح ضد العثمانيين سوى استكمال لحلقة الصراع التي بدأت بؤرتها في أوكرانيا كما سبق وأن أوضحنا؛ كان ذلك عندما انضم بطرس الأول أو الأكبر (الذي كان في ذلك الوقت لايزال تحت الوصاية) لتحالف العصبة المقدسة المناهض للعثمانيين عام 1686م بعد ارتدادهم أمام فيينا وفشل الحصار العثماني الثاني لهذه المدينة عام 1683م، رغم الهدنة التي أنهت الحرب الروسية العثمانية الأولى (1676-1681م)، ولم يكن ذلك سوى أمل في استغلال الفرصة وجني مكاسب هذا الانتصار الأوروبي، وعلى رأسها بلوغ البحر الأسود خاصة وأن الفشل كان يصاحب الروس حتى ذلك الوقت في محاولاتهم المستميتة للاحتفاظ بموطئ قدم على ذلك البحر الذي حصنه العثمانيون جيدًا أمام هجمات القوزاق الموالين للقيصر؛ هذا فضلاً عن أن سعيهم للوصول إلى بحر البلطيق لم يكن قد كُلل بالنجاح بعد في إطار حروبهم الشمالية التي كانت في ذلك الوقت مستعرة ضد الهيمنة السويدية على ذلك البحر الذي صار أشبه ببحيرة سويدية مغلقة منذ منتصف القرن السابع عشر.

ركب النهضة الأوروبية

من ناحية أخرى كان افتتان بطرس بالغرب دافعًا له للانطلاق في ركب النهضة الأوروبية وسعيه الحثيث لتحديث بلاده وجيشه على الطراز الأوروبي، وهذا ما جعله على الأرجح يخوض الصراعات ويدخل في التحالفات التي تمكنه من الولوج بثقله في عالم هذه القارة ليصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانها وقوة لا غنى عنها في الموازين التي تحافظ على بقائها.
وهذا ما جعله الإصلاحي الأكبر في تاريخ روسيا الحديث، ومن سيضعها بشكل أو بآخر في عداد الدول الأوروبية بعد أن كانت دولة آسيوية قلبًا وقالبًا، خاصة بعد نقله للعاصمة من موسكو الآسيوية إلى سان بطرسبرغ الأوروبية؛ تمامًا كما حدث مع العثمانيين عندما انتقلوا من طور الدولة الآسيوية إلى دولة أوروبية كاملة العضوية مع فتوحاتهم ثم وضعهم اللبنة الأخيرة التي أثبتت ذلك بشكل قطعي عندما نقلوا عاصمتهم من بورصة الآسيوية إلى أدرنة الأوروبية عام 1365م.. هذا التشابه الذي سنلمسه كثيرًا بين هاتين القوتين كان أدعى للتنافر الذي ستزداد حدته بينهما بمرور الزمن.

لم يدرك العثمانيون في البداية أن تحديث بطرس للجيش بالاستعانة بالخبرات الغربية كان يرمي في الأساس إلى مواجهتهم بندية، ولم يكن لديهم علم كذلك بمخططات بطرس الكبيرة للسيطرة على البحر الأسود كخطوة أولى نحو البحر المفتوح عبر المضائق الموصلة إلى البحر المتوسط..

وقد أشار المؤرخون العثمانيون إلى أن الدبلوماسيين العثمانيين في تلك الفترة لم يفهموا ذلك، ويوافق ذلك ما صرح به أول سفير دائم لروسيا في استانبول، بطرس تولستوي، حين قال “إن العثمانيين لايزالون يستخفون بالمهارة العسكرية الروسية”. لكن بدأ كل هذا في التكشف مع الحملات المتتابعة التي شنها التحالف الأوروبي على أراضي العثمانيين في أوروبا عقب ارتدادهم عن فيينا، عندما استغل بطرس الأكبر الضغط الأوروبي على الجبهة العثمانية الغربية، ليهاجم من جهة الشمال.

وهذا بالطبع كان نتيجة التقارب الروسي النمساوي الذي يحدث هنا لأول مرة بسبب العثمانيين.

توازن القوى

كان لتوازن القوى القائم في أوروبا قبل الارتداد العثماني عن فيينا أن ينهار بعد التغيرات الدراماتيكية السريعة التي حدثت في أعقابه، وهو ما فرض حربا عامة في شرق أوروبا سيعقبها سلام كارلوفيتز الشهير الذي سيعيد توزيع الأدوار الإقليمية والتحالفات والصراعات بين القوى مع منقلب ذلك القرن، أو بمعنى آخر إرساء توازن جديد للقوى سيكون له تأثيره البالغ على تاريخ القارة في القرن الثامن عشر. وقد مثل العثمانيون أحد طرفي تلك الحرب العامة، وفي المقابل كان تحالف “العصبة المقدسة” الذي ضم في ذلك الوقت أكبر القوى الأوروبية الفاعلة خلا بريطانيا وفرنسا، وهي الإمبراطورية النمساوية المجرية والكومنولث البولندي اللتواني والبندقية والبابوية؛ وقد بذلت هذه القوى جهودًا كبيرة لإلحاق روسيا بالتحالف لفتح الجبهة العثمانية من الشمال في وقت اشتعالها على يديهم من جهة الغرب؛ وكان لتحقق هذا الأمر بالفعل أثره العظيم في تداعي النفوذ العثماني في شرق أوروبا وبدء دخول روسيا إلى البحر الأسود.
أدى فتح الجبهة الشمالية إلى مرابطة خان القرم في أرضه خوفًا من الغزو الروسي، وعدم استطاعته مشاركة العثمانيين دفاعهم عن الأراضي الأوروبية، خاصة وأن مساندة تتار القرم للسلطان في حروبه آنذاك كان لها عامل حسم لا يمكن التغاضي عنه. وبالفعل مع اشتعال الجبهة الغربية اتجه الروس إلى القرم بجيش ضخم يزيد على المئة ألف عام 1687م في أول محاولة لغزوها، لكنهم لم يستطيعوا عبور السهوب التي أحرقها التتار كعادتهم إذا شعروا بتهديد كبير، فانسحبوا ولم يعاودوا أدراجهم سوى عام 1689م بعد استعداد وتجهيز كبير، فكان الجيش الروسي هذه المرة يصاحبه خمسون ألفًا من القوزاق ونحو ثلاثمائة وخمسين مدفعًا؛ فما كان من التتار إلا أن أغلقوا معبر بريكوب الواصل بين شبه جزيرة القرم والبر الرئيسي وحفروا خندقًا على طول خط الدفاع جعل التقدم بالمدافع مستحيلاً، وأحرقوا السهوب وأفسدوا مصادر المياه المحيطة، ليفشل الغزاة مرة أخرى في الحصار أو الاقتحام فينسحبوا ثانية لشح كبير في المياه والمؤن، فضلاً عن هجمات التتار الخاطفة المؤثرة التي نالت من الجيش وهو في هذه الحالة؛ فلا ننسى هنا أن التتار كان لهم تاريخ كبير في حرب الروس وعلى خبرة جيدة بأساليب تحركاتهم فضلاً عن تكيفهم مع جغرافيا المكان، إذ كانت لحرب السهوب الآسيوية أساليبها ومناوراتها التي برع فيها التتار منذ قرون.

وفي المقابل كان للقوزاق تنظيماتهم الحدودية التي تشابهت كثيرًا مع تلك الخاصة بالتتار، مع قدرة كبيرة على المناورة والقتال في تلك المناطق الصعبة، وهو ما جعل الروس يمسكون بزمامهم ويمدونهم بأحدث الأسلحة والتدريب والوسائل اللازمة، ومن ثم يستخدمونهم في الصراع مع التتار على أوسع نطاق، ما ستكون له عواقبه على تاريخ الصراع في هذه المنطقة. على كلٍ رغم فشل هاتين الحملتين إلا أن تأثيرهما كان كبيرًا على الجبهة الغربية بسبب عدم مشاركة القوات القرمية، فقبل نهاية عام 1689م سرعان ما فقد العثمانيون معظم أقاليمهم شمالي خط دفاعهم على نهر الدانوب، فضلاً عن أجزاء من البوسنة والصرب واليونان جنوبي ذلك النهر.. من ناحية أخرى، تعلم الروس من هاتين الحملتين الدرس جيدًا، وعلموا أن القوة العسكرية لن تجدي إلا إذا وجدوا الحل اللوجستي المناسب لعبور السهوب، فهل يستطيع بطرس تحقيق ذلك في حملتيه التاليتين على آزوف ؟

القدس العربي



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات