الجزائر تحارب الفساد بالعفو عن المفسدين

تم نشره الإثنين 01st آب / أغسطس 2022 12:55 صباحاً
الجزائر تحارب الفساد بالعفو عن المفسدين
صابر بليدي

أفرج عن وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، كما أفرج عن آخرين وكما سيفرج عن البقية، لتبقى شعارات الحرب على الفساد مجرد مواويل رددت لسنوات من أجل تنويم الشارع وترتيب الأوراق التي هزها الحراك الشعبي، وتتأجل بذلك فرص ردم الهوة واستعادة الثقة بين الشعب والسلطة.

من السهل جدا أن تشعل الحرب لكن من الصعب كذلك إطفاؤها، وذلك ما تسير إليه على ما يبدو معركة الحرب على الفساد في الجزائر، لأنه كلما تعلق الأمر بالرؤوس الكبرى ينقلب الأمر وتتعاكس الشعارات والخطابات، بينما يأخذ القانون طريقه للنفاذ كلما كان الفاسد ضعيفا أو خصومه هم حكامه.

 

وتكاد صحيفة “الوطن” الفرانكفونية تلفظ أنفاسها الأخيرة، بسبب مواقفها وخط تحريرها تجاه السلطة وتجاه الحرب على الفساد، فقد كان تحقيق صحافي حول ثروة عائلة القائد السابق للجيش الفريق الراحل أحمد قايد صالح كافيا لأن يعصف باتفاق الإعلانات الذي أبرمته مع الوكالة الحكومية، والعودة إلى خط الأزمة القاتل، وكان كافيا أيضا تصريح لمدير سابق للوكالة المذكورة حول صحيفة ابن الضابط المذكور لتنحيته من منصبه.

 

وكما تفاجأ مؤيدو السلطة قبل معارضيها بخبر الإفراج عن الوزيرة السابقة للثقافة، من الوارد جدا وجود مفاجآت أخرى في الأفق بإطلاق سراح رموز أخرى دعت الضرورة لأن يعاقبوا بالسجن من أجل ترتيب أوراق النظام واحتواء فورة الشارع، فهناك أحاديث عن الإفراج عن هذا الاسم أو ذاك، أو أن الملف الصحي يستدعي نقله إلى إقامة خاصة خارج السجن.

 

هكذا يحارب الفساد بالعفو عن المفسدين، وهكذا يتأكد شيئا فشيئا أن شعارات “المرحلة الجديدة والعصابة السابقة” ما هي إلا ذر للرماد في عيون الذين استغفلتهم السلطة، فاعتقدوا أن البلاد تسير إلى مرحلة جديدة، وإلا كيف يفرج عن وزيرة كيلت لها تهم الفساد وتبديد المال العام، دون تقديم توضيحات للرأي العام.

الكثيرون دعوا إلى ضرورة التمييز بين تصفية الحسابات السياسية أو ترتيب الأوراق، وبين شعارات الحرب على الفساد، لأن المسألة تستدعي إحلال القانون والشفافية والدفاع عن حقوق الشعب وحقوق الأفراد، فمن غير المعقول التضحية بالمال العام لأجل عيون متهم، أو ظلم الناس تحت طائلة الحرب على الفساد.

 

لقد أطلق سراح وجوه من السلطة أو مقربين منها، ولا أحد يعلم سبب سجنهم أو الإفراج عنهم، وصاحب القرار إما هو متواطئ مع هؤلاء، ولا بد من سقوطه كما سقط أسلافه، أو أنه أنجز نصف المهمة، لأن المنطق يستدعي محاكمة من حكم بالسجن في وقت سابق على هذا المسؤول أو ذاك، لأنه ذهب شططا في تطبيق القانون أو الاستماع إلى التعليمات.

لا أحد في الجزائر بإمكانه تقدير حجم الفساد والمفسدين لأن المرحلة الماضية كانت تستهدف إشاعة الظاهرة أفقيا وعموديا، وحتى الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي يعتبر أحد الذين تدرجوا في سلم المسؤولية على مدار أربعة عقود، يعترف بأن تضخيم الفواتير كان يقدر بنحو الثلث، وبعملية بسيطة فإن الجزائر ضيعت حوالي 300 مليار دولار منذ مطلع الألفية.

هنا تظهر شرعية ومشروعية مطلب التغيير الشامل الذي رفعه الحراكيون، لأنهم يدركون أن صناعة السفينة الجديدة لا يتم بالخشب القديم، وحتى رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، صرح من قفصه متسائلا ومتعجبا “كم ضيعت الجزائر من أموال في قطاع البناء والبنى التحتية؟”، وهو تلميح لرئيس الجمهورية نفسه، على اعتبار أنه كان وزير السكن والعمران خلال الحقبة البوتفليقية.

واعترف أيضا بأنه “تسلم 30 قطعة معدنية من الذهب كعمولة، وقد باعها في السوق السوداء بنحو مليوني دولار”، وهذا غيض من فيض، لأن المسؤولية مورست بالفساد والإفساد، سواء كان هؤلاء في السجن أو خارجه، أفرج عنهم أو في انتظار الإفراج، ولذلك فإن كل ما في الأمر هو التفاف على الحراك وليس تحقيق مطالبه كما تدعي أبواق السلطة.

الثابت، بالإفراج التدريجي عن رموز المرحلة السابقة، أن السلطة بصدد تجديد وإعادة إنتاج نفسها، وليس تغيير منظومة الحكم وإدارة الشأن العام، فقد قيل الكثير عن التظاهرات الثقافية الكبرى التي نظمتها البلاد تحت إشراف الوزيرة خليدة تومي، وعن الأرقام الفلكية للأموال التي أنفقت عليها، لكن في النهاية ما الذي تحقق من كل هذا؟ نسف المال العام وأفقر القطاع، وحكم على الوزيرة بأربع سنوات سجنا نافذة، قضت منها أقل من ثلاث سنوات.

منظومة الفساد المتغلغلة ولدت ذهنية لدى الفرد الجزائري، وهي الاستعداد لعقوبة السجن إذا كان الأمر يتعلق بأموال طائلة، فالكثير مستعد لأن يقضي سنوات معدودة في السجن مقابل ملايين من الدولارات، خاصة إذا كان المبلغ المذكور غير متاح تحصيله في الحياة والنشاط العادي والشرعي.

ورغم أنه لا يزال يقبع في السجن ومن الوارد أن يكون طليقا في المستقبل القريب، إلا أن جملة المدير السابق للأمن الجنرال عبدالغني هامل “من يريد أن يحارب الفساد عليه أن تكون يداه نظيفتان” تبقى أكثر شهرة ودلالة على واقع الفساد في البلاد، وهو ما لم يتم التوصل إليه إلى حد الآن لأن السلطة تريد إعادة إنتاج نفسها وليس التغيير الحقيقي، فالفاسد أو المشبوه بالفساد لا يمكن أن يحارب الفساد، فالمسألة تتطلب إرادة سياسية قوية وقضاء مستقلا وإعلاما حرا ومجتمعا مدنيا حقيقيا، وما عدا ذلك فهو ذر للرماد في العيون.

العرب اللندنية 



مواضيع ساخنة اخرى
غالبية الأردنيين يرون أن الأوضاع الاقتصادية تسير بالاتجاه السلبي غالبية الأردنيين يرون أن الأوضاع الاقتصادية تسير بالاتجاه السلبي
توقع بارتفاع الطلب على الحلويات تزامنا مع إعلان نتائج "التوجيهي" توقع بارتفاع الطلب على الحلويات تزامنا مع إعلان نتائج "التوجيهي"
بالاسماء : مدعوون لوظيفة " حارس " في وزارة التربية بالاسماء : مدعوون لوظيفة " حارس " في وزارة التربية
وزير فلسطيني يحذر بمعاقبة أي فلسطيني سيستخدم مطار رامون الإسرائيلي وزير فلسطيني يحذر بمعاقبة أي فلسطيني سيستخدم مطار رامون الإسرائيلي
ذوو الفتاة التي استؤصلت كليتها السليمة يرفعون هذه اللافتة - صورة ذوو الفتاة التي استؤصلت كليتها السليمة يرفعون هذه اللافتة - صورة
استيتيه : توظيف 10400 أردني عبر منصة قطر استيتيه : توظيف 10400 أردني عبر منصة قطر
ارتفاع أسعار السيارات الكهربائية 1000 دينار محلياً ارتفاع أسعار السيارات الكهربائية 1000 دينار محلياً
السعودية : غرامة مالية على من يرفع صوته في الأماكن العامة السعودية : غرامة مالية على من يرفع صوته في الأماكن العامة
10 حالات تسمم في المفرق .. وإغلاق مطعم 10 حالات تسمم في المفرق .. وإغلاق مطعم
السواعير : نشهد تحولات في تحديث المنظومة السياسية والاقتصادية والإدارية السواعير : نشهد تحولات في تحديث المنظومة السياسية والاقتصادية والإدارية
الملكة تطلع على خدمات حاضنة “ليـڤ-إنـك الأردن” للإبداع الملكة تطلع على خدمات حاضنة “ليـڤ-إنـك الأردن” للإبداع
اربد : 11 اصابة بحادث تصادم على شارع البترا اربد : 11 اصابة بحادث تصادم على شارع البترا
الافتاء الاردني يوضح حول ظهور  " رقبة " المرأة الافتاء الاردني يوضح حول ظهور " رقبة " المرأة
بالصور : قوة امنية تضبط أسلحة ومواد مخدرة والقبض على 28  مشتبها به بالصور : قوة امنية تضبط أسلحة ومواد مخدرة والقبض على 28 مشتبها به
بالأرقام ..هذه تكلفة السفر بين فلسطين والاردن وبالعكس بالأرقام ..هذه تكلفة السفر بين فلسطين والاردن وبالعكس
7 اصابات بحادث تصادم على نزول العدسية - طريق البحر الميت 7 اصابات بحادث تصادم على نزول العدسية - طريق البحر الميت