بين الجزائر ومدريد: كيف سيكسر الجليد؟

تم نشره الأربعاء 17 آب / أغسطس 2022 12:51 صباحاً
بين الجزائر ومدريد: كيف سيكسر الجليد؟
نزار بولحيه

قبل نحو شهرين من الآن تشكلت كتلة سميكة من الجليد لتطفو على سطح العلاقة بين البلدين، وبالنسبة لكثيرين ممن فاجأهم ظهورها، لم يكن الرد الجزائري على ما بدا تبنيا إسبانيا للحل المغربي لمعضلة الصحراء، منتظرا أو متوقعا بالمرة. ومع إعلان السلطات عن عدد من الخطوات التصعيدية نحو إسبانيا مثل، تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار معها ووقف الصادرات والواردات، باستثناء الغاز، صار واضحا أن تلك الكتلة بدأت بالتوسع بشكل ملحوظ، خصوصا بعد أن خرج دبلوماسي جزائري رفيع المستوى هو عمار بلاني المبعوث الخاص المكلف ببلدان المغرب العربي في الخارجية الجزائرية، ليقول لصحيفة «الكونفيدونسيال» الإسبانية إن رئيس الوزراء الإيبيري بيدرو سانشيز تسبب في «تدمير العلاقات بين الجزائر وإسبانيا»، معلنا في الأثناء أن بلاده «تنتظر حكومة جديدة لتطبيع العلاقات مع مدريد».
واليوم لم يعد السؤال هو، إن كان الدفء سيعود بين العاصمتين ببقاء أو برحيل حكومة سانشيز، بل كيف سيحصل ذلك؟ وضمن أي مقاربة سيكون؟ وفيما قد يُعدّ مؤشرا على أن العد التنازلي لانتهاء ما وصفه رئيس الوزراء الإسباني في وقت سابق بـ»الغضب المؤقت للجزائر» من موقف بلاده الجديد من مغربية الصحراء قد بدأ بالفعل، كشفت صحيفة «أوكي ديارو» الإسبانية عن وصول مسؤول إيبيري رفيع المستوى الجمعة الماضي إلى الجزائر، في زيارة سرية، ما عزز أخبارا تم تداولها من أكثر من مصدر حول بقاء قنوات التواصل والحوار مفتوحة بين مدريد والجزائر، رغم الفتور الملحوظ بينهما في الآونة الأخيرة، وعزز الانطباع بأن الطريق باتت ممهدة ولو نسبيا أمام وجود إمكانية جدية كي يتحول ما توقعه سانشيز في المقابلة التي أجرتها معه القناة التلفزيونية «أنتينا 3» في إبريل الماضي من زوال ذلك الغضب بمرور الوقت إلى أمر حقيقي.

الإسبان بقدر ما يتحسبون لرد الفعل المغربي ويضعونه في الاعتبار، إلا أنهم يجدون أنفسهم بالمقابل تحت ضغط الحاجة للغاز الجزائري بشكل كبير

غير أنه وبغض النظر عما يمكن أن تكون قد أسفرت عنه تلك الزيارة السرية للمسؤول مجهول الهوية حتى الآن إلى العاصمة الجزائرية من نتائج، فإن المؤكد هو أنه لن يكون سهلا، أو بسيطا بالمرة أن تعود العلاقات الجزائرية الإسبانية إلى الوضع الذي كانت عليه قبل أكثر من شهرين من الآن. والطرفان يدركان ذلك جيدا ويعرفان أيضا أن ما يحف بتلك العودة من تعقيدات يجعلها بعيدة عن أن تكون فقط مرتهنة برغبة كل واحد منهما في التطبيع مع الآخر، أو في التوصل لتسوية ثنائية تسمح لهما بذلك. ولعل أهم عقبة تعترضهما تلك التي تقف أمام الإيبيريين وتضعهم أمام خيارين أحلاهما مرّ وهو، إما كسر البرود الحالي في علاقتهم بالجزائريين وبأي ثمن، أو الحفاظ على الدفء القائم الآن في علاقتهم بجارتهم المغاربية الأخرى، أي المغرب وبأي ثمن كذلك. ومع أن تلك المعادلة الصعبة تبدو مشابهة نوعا ما لتلك التي صادفوها إبان الأزمة التي اندلعت ربيع العام الماضي مع الرباط، في أعقاب استقبالهم لزعيم البوليساريو بشكل سري وبهوية مزورة بداعي العلاج في أحد مستشفياتهم، إلا أنها تختلف عنها بشكل كبير ليس فقط لأنه كان بإمكانهم خصوصا في الأسابيع والشهور الأولى لخلافهم مع المغاربة، أن يكسبوا الطرفين المغربي والجزائري معا، لو أنهم قدموا الإيضاحات التي طلبتها الرباط حول تلك الزيارة، ولم يتعنتوا ولم يصروا على تجاهل ما كانت تبدو طلبات ظرفية ومحدودة من الجانب المغربي، بل لأن المدار الحقيقي لعلاقاتهم مع الجارتين قد توسع الآن، وتحول وبشكل دقيق ومباشر نحو واحدة من أهم القضايا الخلافية بينهما وهي، القضية الصحراوية، وصار مرتبطا وفي العمق بالموقف منها. والإسبان يعلمون أكثر من غيرهم، لا فقط ما تعنيه تلك المسألة بالذات بالنسبة للبلدين، بل ما يمكن أن يترتب أيضا عن أي توجه قد يأخذونه في ذلك الخصوص، سواء لصالح هذا الطرف أو ذاك، لكن هل أن الجزائر تضع اليوم بالفعل كل ثقلها لعودة العلاقات معهم إلى مسارها الطبيعي، بشرط تراجع بيدرو سانشيز عما قاله في رسالته منتصف مارس الماضي للعاهل المغربي محمد السادس من أن «إسبانيا تعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 بمثابة الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف» حول مشكلة الصحراء، الشيء الذي اعتبره الجزائريون حينها تحولا غير مقبول في الموقف الإسباني؟ حتى لو أمل هؤلاء في أن حصول ذلك ولو مع حكومة أخرى غير حكومة سانشيز، فإنهم يعرفون، وبلا شك أن مصداقية الدولة الإسبانية ستضرب حينها بشدة وستوضع على المحك، وهو أمر لن يقبله الإسبان بأي حال من الأحوال. لكن هل فات وقت البحث عن صيغة وسط قد ترضيهم ولا تزعج المغاربة في الوقت نفسه؟ في يونيو الماضي وفي جلسة مساءلة أمام البرلمان الإيبيري، وصف رئيس الوزراء الإسباني دعم بلاده للموقف المغربي من المعضلة الصحراوية بأنه «قضية دولة» قبل أن يضيف أنه «يسعى من خلال ذلك إلى تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة». غير أن البيان الذي صدر قبلها في أعقاب اجتماع سانشيز في الثامن من إبريل الماضي في الرباط مع العاهل المغربي، شدد على أن الجانبين اتفقا على «وضع خريطة طريق دائمة وطموحة تتضمن معالجة المواضيع ذات الاهتمام المشترك بروح من الثقة والتشاور، بعيدا عن الأعمال الأحادية أو الأمر الواقع». والسؤال هنا ألن تعتبر الرباط في تلك الحالة أي تغير في الموقف الإسباني الجديد من الصحراء عملا أحادي الجانب، أو فرضا للأمر الواقع مثلما جاء في نص ذلك البيان؟ ما لن يختلف حوله اثنان هو انه إن حدث شيء من ذلك فإن مسار التقارب البطيء لكن الثابت بينها وبين مدريد قد يتعطل ولن يكون مستبعدا أن تظهر حينها أزمة أخرى بينهما أكبر من تلك التي ظهرت ربيع العام الماضي. غير أن الإسبان وبقدر ما يتحسبون لرد الفعل المغربي ويضعونه في الاعتبار، إلا أنهم يجدون أنفسهم بالمقابل تحت ضغط الحاجة للغاز الجزائري بشكل أكبر مما كان عليه الحال في السابق، نتيجة لتداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا. وهذا ما يجعلهم ليس فقط حريصين على تأمين تدفق الموارد الطاقية التي يحتاجونها من الجارة الجزائرية، بل على مضاعفة حجمها في الشهور المقبلة. والوعد الذي قطعه الجزائريون لهم في نوفمبر الماضي بعد قرارهم وقف عقد أنبوب الغاز العابر للمغرب في اتجاه إسبانيا بالالتزام بتزويدهم بكل حاجياتهم من الغاز الطبيعي، قد يريحهم نسبيا، لكنه ليس كافيا بالنسبة لهم للاطمئنان بشكل تام ونهائي على أن مصالحهم لن تتأثر في الشتاء المقبل، ببقاء كتلة الجليد بين البلدين على حالها. ولأجل ذلك فانهم يناورون الان بحذر شديد ويتحسسون جيدا وقع كل خطوة يقطعونها نحو الجزائر، آملين في شيء واحد وهو أن تقف العواصم الأوروبية الكبرى مثل باريس وبرلين في صفهم وتقنع الجزائريين بأن لا يكون ثمن إذابة الجليد معهم هو ظهور كتلة أخرى منه لكن مع الجارة المغرب هذه المرة.
كاتب وصحافي من تونس

القدس العربي 



مواضيع ساخنة اخرى
شاهد الفنانة سماح أنور: لم أشرب المياه منذ 17 عاماً شاهد الفنانة سماح أنور: لم أشرب المياه منذ 17 عاماً
20 قتيلا حصيلة المواجهات المسلحة داخل المنطقة الخضراء في بغداد .. بالفيديو 20 قتيلا حصيلة المواجهات المسلحة داخل المنطقة الخضراء في بغداد .. بالفيديو
الضمان الاجتماعي يقر مشروع القانون الجديد الأربعاء المقبل الضمان الاجتماعي يقر مشروع القانون الجديد الأربعاء المقبل
إدارة السجون: عدد نزلاء السجون تجاوز السعة الاستيعابية ليصل إلى 20 ألفا إدارة السجون: عدد نزلاء السجون تجاوز السعة الاستيعابية ليصل إلى 20 ألفا
الافتاء ترد على سؤال حول اختيار الام لزوجة الابن الافتاء ترد على سؤال حول اختيار الام لزوجة الابن
عمان : العثور على طفلة حديثة ولادة في الشارع عمان : العثور على طفلة حديثة ولادة في الشارع
استحداث تخصصات جديدة في الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة استحداث تخصصات جديدة في الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة
البدء بإعادة تأهيل أول جزء من طريق بغداد الدولي الأحد البدء بإعادة تأهيل أول جزء من طريق بغداد الدولي الأحد
الجيش الإسرائيلي يحبط محاولة تهريب مخدرات عبر الاردن - صورة الجيش الإسرائيلي يحبط محاولة تهريب مخدرات عبر الاردن - صورة
بالصور : التعامل مع عوائق على طريق جرش - عمان بالصور : التعامل مع عوائق على طريق جرش - عمان
لظهور زوجته مع راغب علامة.. الخارجية العراقية: سنتخذ إجراء بحق سفيرنا في الأردن لظهور زوجته مع راغب علامة.. الخارجية العراقية: سنتخذ إجراء بحق سفيرنا في الأردن
بالاسماء : انهاء خدمات موظفين في وزارة الصحة بالاسماء : انهاء خدمات موظفين في وزارة الصحة
إحراق المسجد الأقصى في ذكراه : إسرائيل تطمح لمحو المسجد من الوجود إحراق المسجد الأقصى في ذكراه : إسرائيل تطمح لمحو المسجد من الوجود
امير السعود  ...  توفي بعد انتهاء امتحانات التوجيهي وحصل على معدل 94 امير السعود ... توفي بعد انتهاء امتحانات التوجيهي وحصل على معدل 94
بالفيديو : شاهدوا حوادث السير بعد اعلان نتائج التوجيهي بالفيديو : شاهدوا حوادث السير بعد اعلان نتائج التوجيهي
القبض على الشخص الذي خطف الطفلة في الهاشمي بحالة " سكر " القبض على الشخص الذي خطف الطفلة في الهاشمي بحالة " سكر "