حماية الطبيب من الضرب مقابل مساءلته عن اخطائه الطبية
المدينة نيوز - ماهرابوطير - تشتد التجاذبات هذه الايام بين اطراف عديدة بشأن مشروع قانون المساءلة الطبية ،الذي يتم اعداده اليوم في ديوان التشريع ، وفيما كان وزير الصحة السابق ، قد شكل لجنة للتوافق على قانون المساءلة الطبية ، الا ان الوزير احال المشروع في النهاية الى ديوان التشريع من اجل اعداده ، ولايعرف كثيرون ان نقيب الاطباء ، واخرون ، طلبوا من وزير الصحة الحالي ، قبل اسبوع ، التريث في اقرار القانون ،الى درجة يمكن اعتبارها بمثابة تجميد للقانون ، في ديوان التشريع ، وسط مطالبة نقابة الاطباء ، وجهات اخرى ، بتشكيل لجنة جديدة ، تضم كل الجهات ، من اجل التوافق على قانون هام وحساس جدا.
مشروع القانون ، اليوم ، موجود لدى ديوان التشريع ، وحين نسأل نقيب الاطباء الدكتور زهير ابوفارس ، يقول انه مع صيغة من اثنتين ،الاولى تفعيل وتعديل وتطوير تشريعات نقابة الاطباء ، من اجل ان تكون هي صاحبة الاختصاص في مساءلة الاطباء ، بدلا من اعداد قانون كامل للمساءلة الطبية ،او اقرار قانون بتوافق مابين وزارة الصحة ونقابة الاطباء والخدمات الطبية الملكية ، وبقية الجهات ، مشيرا الى وجود تحفظات لدى النقابة ، على مشروع القانون الحالي ، بالاضافة الى كونه يقر دون توافق ودون حوار ، وحين أساله ..عن دور نقابة الاطباء تجاه اخطاء الاطباء في العمليات الجراحية ، وفي التشخيص ، وهل تقوم نقابة الاطباء بهذا الدور اساسا ، خصوصا ،ان الانطباع العام ان النقابة لاتقوم بدورها وانها تحمي الطبيب في وجه المواطن ، الذي يلجأ للنقابة ، ينفي هذه المعلومات جملة وتفصيلا ، ويقول ان هناك مجالس تأديبية وان هناك مساءلة داخل نقابة الاطباء ، وان النقابة انذرت اطباء وعاقبت اخرين ، واغلقت عيادات ، وانها لاتحمي الطبيب في وجه المواطن المتضرر ، لكنها لاتعلن ، عن هذه الاجراءات ، مشيرا الى ان دور النقابة لاينسحب على الاطباء في وزارة الصحة ، او الخدمات الطبية ، مقترحا ان يتم تعديل قانون نقابة الاطباء ، ليشمل مسؤوليتها عن كل الاطباء في المملكة ، وتطوير التشريعات بشكل يقوي المساءلة الطبية ، في ذات النقابة ، بدلا من اعداد قانون خاص ، لا توافق عليه.
لا يمكن في هذا الاطار التعريض دوما بالطبيب ، اذ في كثير من الحالات يتعرض الاطباء لاعتداءات ، ونسمع يوميا ، عن اعتداءات يتعرض لها اطباء في اقسام الطوارئ ، وفي المستشفيات الحكومية ، وبعض هذه الاعتداءات يتم بسبب الانفعال والعصبية ، واحيانا بسبب تأخر الطبيب في معالجة المريض ، واحيانا بسبب المعاملة السيئة ، او اعتقاد اهل المريض ان الطبيب اهمل في العلاج ، دون دليل في كثير من الحالات ، وتسبب بالوفاة ، مما يجعل ضرب الاطباء بحاجة ايضا الى من يتوقف عنده ، وعلى حد تعبير طبيب قال ان من حقنا ان نطلب قانونا تحت عنوان "قانون مساءلة المواطن" ثم ان قانون المساءلة الطبية يجب ان يحفظ حق الطبيب في حال براءته من الشك في كونه سببا في تراجع حالة المريض او عند ممارسة اي خطأ طبي ، فالعملية يجب ان تبقى متوازنة ، وتحفظ حقوق الجانبين.
قرار توقيف طبيب في مستشفى الزرقاء الحكومي العام الماضي على خلفية الوفاة الحزينة والمؤسفة لطفل بسبب تراجع حالته الصحية بعد المعاينة يفتح مرة أخرى ملف التعامل القضائي والأمني مع الأطباء ومعادلة الحقوق والمسؤوليات المترتبة على الأضرار الطبية ، ولايمكن أن نجزم بحدوث خطأ طبي في حالة وفاة الطفل حسني ، فالحالة أكثر تعقيدا من قضية المرحوم الحفناوي في مستشفى الأمير حمزة وهي حالات تابعها الرأي العام الاردني ، والطفل المرحوم حصل على الرعاية الصحية في دخوله المستشفى ولكن وضعه الصحي تدهور بعد الخروج وهنا من الصعب إطلاق الأحكام قبل التحقيق. اهل الطفل المفجوعين بخسارتهم المؤلمة يضعون اللوم على الطبيب لأنه أخرج الطفل من المستشفى ولم يضعه تحت العناية بينما الطبيب والمستشفى يؤكدان تقديم الخدمة الصحية الكافية واستقرار حال الطفل حسب المؤشرات الطبية مما أعطى المبرر الطبي لإخراجه من المستشفى.
ويشكو مواطنون من وجود اخطاء طبية ، تسبب لهم مشاكل عديدة ، ويقول هؤلاء انهم يذهبون للشكوى لدى نقابة الاطباء او وزارة الصحة ، او لدى القضاء ، لكنهم لايحصلون على شيء ، وفي حالات تتم حماية الطبيب وفقا لتقديراتهم ، على عكس مايقوله نقيب الاطباء الذي يصر على وجود محاسبة ، وان كانت غير مشهرة امام الناس ، ويقول مطلعون ان احد العقد التي تثير هذه المعركة بشأن قانون المساءلة الطبية تتعلق بما قد يدفعه التأمين ، وبما يتعلق بالتعويضات التي قد يحصل عليها المتضرر ، وهي تعويضات تريد جهات عديدة ألاّ يكون لها محلا في التشريع الجديد ، على ضوء استنساخ تجارب للتعويضات في الولايات المتحدة وبريطانيا ، في الوقت الذي يرى فيه اخرون ان التعويضات وسيلة مهمة لحماية اهل المريض ، وهي لاتسبب سوى تنبها اضافيا من جانب الطبيب لحالاته ، بدلا من الارتباك والخوف ، الذي يتذرع البعض بأحتمال حصولهما اذا عمل الطبيب تحت وطأة قانون المساءلة الطبية وعقوباته وتعويضاته.
في هذه الحالة ربما يكون توقيف طبيب على خلفية تدهور في صحة مريض داخل منزله نوعا من الظلم ، بالرغم من كل الإحساس بالحزن والأسى على وفاة الطفل. إذا كان الطبيب يتحمل مسؤولية فإن ذلك سيتم معرفته في تحقيق طبي وأمني ولكن ليس من الضروري أن يصبح كل طبيب عام أو خاص مهددا بالتوقيف والسجن الفوري بعد وفاة مريض كان يعالجه فهذا الأمر سوف يرفع من نسبة التخوف والتوتر ويجعل الكثير من الأطباء يتهربون من التعامل مع بعض حالات الطوارئ لخوفهم من حدوث مضاعفات صحية يدفعون ثمنها سجنا وتوقيفا.
الحالة في مستشفى الزرقاء توضح مرة أخرى مدى الإختلاف التام في فلسفة إدارة المستشفيات العامة والخاصة. في المستشفيات ومراكز الصحة العامة يؤدي الضغط الكبير من المراجعين إلى وجود توجه نحو "عدم إدخال" إلا الحالات الصعبة والخطرة وغير المستقرة للمبيت تحت المراقبة وإخراج الحالات المتوسطة أو التي ييتم التوصل إلى قناعة بوجود استقرار في حالتها إلى الرعاية المنزلية. أما في القطاع الخاص فإن التوجه هو في التركيز على إدخال المرضى للمبيت والجراحة أحيانا حتى لو لم يكن هناك مبرر طبي كاف لأن القيمة الأساسية هي القيمة الفندقية للعلاج. وفي كلتا الحالتين توجد تجاوزات لحقوق المرضى في الرعاية الصحية المتناسبة مع الوضع الطبي للمريض بدون مبالغة أو تقصير.
قانون المساءلة الطبية تم "إجهاضه" من قبل نقابة الأطباء عدة مرات حرصا من النقابة على مصالح منتسبيها ، ولكن عندما تتكاثر الحالات التي يكون فيها الطبيب موضع إتهام أو يتعرض قيها المرضى إلى سوء معاملة فإن وجود قانون عصري يتم إعداده بمشاركة النقابة أفضل من اللجوء لقوانين أخرى تشكل ظلما على الطبيب وعلى المريض أحيانا. الوصول إلى معادلة تكفل حقوق الطرفين معا ممكن جدا من خلال قانون متطور وذكي للمساءلة الطبية وهو بات حاجة ملحة لضبط الحقوق والمسؤوليات.
التجاذبات حول قانون المساءلة الطبية لن تتوقف ، وواقع الحال ان الاطباء لديهم القدرة ولو بشكل جزئي على عرقلة مشروع القانون اذا جاء مجحفا بحق الاطباء فيما الافضل ان تصل جميع الاطراف الى حل وسط يحفظ حق المواطن والطبيب ، معا ، بحيث نعرف الفرق بين حالات القضاء والقدر ، وحالات الخطأ الطبي ، ونعرف حق المواطن المتضرر ، وحق الطبيب المتضرر ايضا ، ولعل هناك من يرى ان قانون المساءلة الطبية يجب ان يوحد آليات المحاسبة لتجمع كل اطباء القطاع العام والخاص والخدمات.
الدستور
