الزبال محمد : أنا أهم من بعض المسؤولين
المدينة نيوز – خاص - زمن الخزاعلة - لعامل النفايات ، أو – بلا حرج – الزبال - أسرار وخفايا لا يعلمها إلا من يقضي نهاره وأحيانا ليله بين الإنفاق والأرصفة..
محمد سليمان جبر يعمل ( زبالا ) – وهو لا يتحرج من الوصف – منذ 1989، صادفته بعد يوم شاق من العمل جالسا على الرصيف يريح قدميه من عناء يوم شاق عصيب ، يحدق ببعض الأوراق الملونة والمجلات القديمة البالية وكأنه يقرا شيئاً .... ما أن تجلس بجانبه لتعرف ما يلفت انتباهه حتى تكتشف بأنه لا يعرف شيئاً.. فالمدرسة والقراءة كان ( حلم الطفولة ) لكن ظروفه العائلية لم تتح له المجال ليلتحق بها..
في سبيل الوفاء بالوعد الذي وعده لأبيه الذي رحل إلى العالم الأخر، بقي محمد يقاسي ظروف المعيشة الصعبة، وهو ما زال ابن 17 عاما.. وعندها بدأت الحكاية:
لم يجعل محمد الفقر سبباً يحول دون تحمل تكاليف الحياة..رغم قساوتها فقد عايشها وتحمل مسؤولية البيت فكان يمثل الأب والأخ الكبير والصديق لعائلته.. ليقول للجميع " سأهدم قساوة الفقر" أنا سأعين أهلي ولن يتشرد إخوتي وسيكملون دراستهم.
حكايته في عمله.. كغيره من زملائه .. لم يكترثوا لعجلات المركبات، التي قد تداهمهم من غير انتباه، خاصة على أطراف الأنفاق والأرصفة، فكل همه توفير مصدر دخل لأسرته التي تتكون من أربعة أولاد وبنت كلهم على مقاعد الدرس .
يبدأ عمله وكما يقول:" منذ الصباح الباكر ، إلى ساعات متأخرة من الليل حيث يعود إلى البيت ويأخذ( دش ) استحمام ليذهب عنه رائحة العرق الملتصقة بجلده وثيابه طوال اليوم، ومن ثم يتفقد أبناءه وهم نائمون، .. يتأملهم ، يقبلهم في تلك اللحظات التي يتناسى فيها برد الشتاء ولهيب الصيف ، ومؤكدا أنه يتقفد إخوته من فترة لأخرى ويسعد عندما يراهم يعملون ويدرسون.
لولا الصبر والتصميم الذي عقدته لتحقيق هدفي لما تمكنت من أن أراهم مطمئنين اليوم - يقصد اخوته - رغم معارضتهم عملي في البداية ، إذ كيف اترك المدرسة واعمل "زبال" وكيف سينظر لي الجيران والأقارب، كان هذا في الثمانينات والتسعينات ولم تكن نظرة المجتمع لعملنا كما هي عليه اليوم ، لقد تغيرت النظرة كلياً، فاليوم الناس والمجتمع يفتخرون بنا كأبناء وطن، وعمال وطن، ولقد انتصرنا على ثقافة العيب التي صارعناها طويلاً.
ويؤكد محمد" : أن عملي في هذه المهنة هو تعبير عن انتمائي لوطني وهذا شرف عظيم لي، فقد أكون أفضل من مسؤول كبير أو مدير لأني أقوم بإماطة الأذى عن الطريق فأحصل على الأجر والثواب والراتب، ولولا عملنا لامتلأت الشوارع "بالأوساخ" المترامية هنا وهناك " هكذا يتحدث محمد ببساطة الفقراء الذين نراهم كل يوم آلاف المرات ، غير أنننا نشيح بوجوهنا عنهم ، مع أنهم لا يشيحون باعينهم عما نخلفه لهم من متاعب .
يقول : ما زال هناك من يرمي الأوساخ في الشارع خاصة من السيارات ويعتمدون علينا في تنظيفها، وفوق هذا فنحن نعاني من تعامل بعض الأشخاص معنا بأسلوب قاس وجاف ، فنضطر للتعامل معهم بهدوء من اجل لقمة عيشنا، رغم شعورنا في اغلب الأوقات بانهم يحتقرون عملنا إن لم يكونوا يحتقروننا ، ذلك يتضح من نظراتهم وعلو أصواتهم ،لكن – بالنهاية - ومهما اختلف عملنا ومكانتنا فإن شعوري أنني لا أختلف عن أي مسؤول في البلد فانا اخدم الوطن بعملي وهو يخدم الوطن بعمله ، بل أحس في قرارة نفسي أنني أفضل من كثير منهم .
ويشكو محمد من التمييز في العمل كما يقول " انهم يميزون بيننا فتجد المغترب يصبح مسؤولا عنا رغم الاقدمية لنا، ويأخذ اجازاته كاملة فانا في العام الماضي لم أمنح إجازة ال14 يوما ، بل ولا اجازة ليوم واحد رغم محاولاتي المتكررة وذلك بحجة نقص العمال .
محمد ، ليس الفقير الوحيد فهناك الكثير.. لكن هذه الحالة تجسد قضية اناس كثيرين يتصارعون مع "الفقر" إضافة الى المشاكل العديدة التي بقيت قيد الصمت في ظل غياب آليات الاتصال مع أصحاب القرار..ويبقى الباب مفتوحاً..!..
