نبيل غيشان يمشي على الحافة : علاقة المسيحيين الأردنيين بالمسلمين
المدينة نيوز- تطرق الزميل نبيل غيشان في مقالين متواليين لبعض مطالب الأخوة المسيحيين من قانون الأحوال الشخصية الاردني، وقد إعتبر كثيرون أن ما قاله غيشان يعتبر بمثابة (المشي على الحافة) ونعيد تاليا نشر المقالين:
1
أثارت مسودة قانون الاحوال الشخصية حوارا وطنيا مهما كشف عن تأييد واسع لبنوده مع وجود ملاحظات وانتقادات لمؤسسات المجتمع المدني تركزت على سن زواج المرأة وغياب الخلع وتعدد الزوجات والاموال المشتركة.
إن من اهم مبادىء التشريع الاخذ بمبادئ العدالة والشمولية, إلا ان مسودة القانون تجاهلت فئة من المواطنين الاردنيين هم ابناء الطوائف المسيحية, فالقانون الجديد لم يتطرق لوضعهم اطلاقا مكتفيا بالاشارة اليهم تحت بند"غير المسلمين", من دون ان يعالج قضاياهم كمواطنين اردنيين وهو لا يختلف بذلك عن المناهج المدرسية والجامعية الحالية التي تتجاهل وجود المسيحي العربي وتاريخه.
ان عموم المسيحيين العرب في الوطن العربي والمسيحيين الاردنيين يعتزون بانتمائهم القومي وحضارتهم العربية الاسلامية ولغتهم العربية, لغة القرآن الكريم, ولم ينسوا انهم كانوا في استقبال جيوش الفتح الاسلامي لبلاد الشام, بل ان منهم من ساعد جيوش المسلمين في معاركهم ضد الروم المسيحيين. وخير مثال على ذلك دور عشيرة العزيزات المسيحية في معركة مؤتة, وكذلك بطولة الملازم السوري المسيحي جول جمال الذي نفذ اول "عملية استشهادية" ضد مدمرة فرنسية ابان العدوان الثلاثي على مصر.
ولم يغب الدور الحضاري للمسيحيين العرب في دواوين الدولة الاسلامية الى ان عمدت العلاقة بالدم في خندق المواجهة والتصدي العربي الاسلامي والعربي المسيحي لاعداء العرب والمسلمين عندما غزوا البلاد العربية في ما سمي بحروب الفرنجة (الحروب الصليبية), حيث ان القتل والدمار الذي لحق بالمسيحيين العرب وكنائسهم الشرقية لا يقل هولا عما نال ابناء جلدتهم من المسلمين العرب.
لذلك فان الموقف الذي سنناقشه هنا لا يأتي من باب تسجيل المواقف او الشكوى او التذمر من "حقوق منقوصة" لا بل بقناعة تامة بان المسيحي الاردني مثل اخيه المسلم لا يمكن ان يضام في حمى الهاشميين وحمى دولة القانون والمؤسسات.
سأحاول شرح موقف الكنائس المسيحية الاردنية والمسيحيين الافراد بصفاتهم الاجتماعية وتوضيح نظرتهم و"عتبهم " لغياب قضاياهم الخاصة عن مسودة قانون الاحوال الشخصية.
واولى الملاحظات على مسودة القانون ما ورد في المادة 28 من تحريم (زواج المسلم بامرأة غير مسلمة او غير كتابية) وهو ما اكدته المادة 30 (يكون الزواج باطلا اذا تزوج المسلم بغير المسلمة او غير الكتابية ) وذلك خلافا للقانون الحالي الذي يجيز زواج المسلم من المسيحية مع احتفاظها بدينها. والمطلوب توضيح المقصود في المادة اعلاه لان هناك فرقا شاسعا بين غير المسلمة وغير الكتابية, والجمع بينهما هنا لغو, لان الاولى تنفي الثانية.
والملاحظة الثانية على ما ورد في المادة 282 (لا يرث المسلم غير المسلم) ومع احترامنا للنص الشرعي الا اننا نطالب بايجاد معادلة تنصف زوجة المسلم اذا كانت مسيحية كجزء من شراكتها المادية والروحية مع زوجها ولضمان حياة كريمة لها بعد وفاته. لان من غير العدل ان تخسر زوجها وحاميها والمكلف بالانفاق عليها وبعد ذلك تجد نفسها في الشارع بلا سند او معيل لتكتمل مآساتها بعد ان تكون قد خسرت اهلها الذين نبذوها لزواجها خلافا لإرادتهم.
وهنا يقع الاجحاف على مواطنة كفل الدستور حقوقها ويمتد الاذى الى حد حرمانها من حق الحضانة الكاملة لاولادها حيث تنص المادة 170 (يسقط حق الحضانة اذا تجاوز المحضون سن السابعة وكانت الحاضنة غير مسلمة ) وهو ما اكدته المادة 212 ( لا ولاية لغير المسلم على المسلم), فالنص القانوني هنا لم يفرق بين زوجة المسلم الكتابية من غيرها, فالزوجة الكتابية اولى بالرعاية والمواطنة اولى بالمساواة.
لم يعالج القانون طلاق زوجة المسلم إن بقيت على دينها المسيحي ولم يبين حقوقها المادية, حيث يحرمها القانون من الميراث ومن النفقة, فتجد نفسها في موقف لا تحسد عليه ولا تستطيع معه تأمين قوتها.
إن القواعد الشرعية محدودة ولا تشمل كل مناحي الحياة ولا تجيب على كل مشاكل الناس وهنا تكمن اهمية الاجتهاد بغياب النص كما قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه ( النص كلام صامت بحاجة الى من يستنطقه.. ).
2
اواصل في مقالتي اليوم تناول نظرة المسيحيين الاردنيين لمسودة قانون الاحوال الشخصية وملاحظاتهم ومطالباتهم بقانون عام ينظم الاحوال الشخصية لكافة الاردنيين بغض النظر عن معتقداتهم.
سأحاول ان اعرض بعضا من القضايا التي تهم المسيحيين وعلى رأسها ترك المسيحي لدينه( قناعة ام مصلحة) وقبل ذلك لا بد من الاشارة الى ان ثقافة الشرق العربي المتداولة كابرا عن كابر تعتبر ان ترك المؤمن لدينه (مسلما كان ام مسيحيا ) يشكل مخالفة لكل الاعراف والتقاليد الاجتماعية ويسبب حرجا للعائلة وامتداداتها لان الدين يشكل جزءا مهما من منظومة الشرف الاجتماعي.
والملاحظة الاساسية تكمن هنا في "استخدام" الدين الاسلامي من اجل الاضرار بحقوق الاخرين, ومثال ذلك وقوع خلاف بين زوج وزوجة من المسيحيين بحيث تحكم المحكمة الكنسية المختصة للزوجة واولادها بنفقة شهرية لكن الزوج المسيحي يتهرب من خلال اعلان اسلامه (نكاية بالزوجة) وهو فعل يضر بحقوق الاخرين ويخل بمبادىء العدالة لانه يجعل الزوج المسيحي بعد اسلامه يتقدم قانونيا على زوجته المسيحية رغم العلم بحقيقة هدفه.
وهنا تبدأ المشاكل الاجتماعية والدعاوى القانونية عندما يطالب الزوج بابنائه (تحت سن 18) ليلتحقوا به خاصة اذا رفض الاولاد الالتحاق بدين ابيهم الجديد, حيث لا يستطيع اي منهم استخراج وثيقة من دائرة الاحوال المدنية الا بأذن ابيهم, وهو ما يثير الكثير من المشاكل.
وهنا تدخل الملاحظة الثانية وهي ان اعتناق المسيحي الاردني ( زوجا او زوجة ) الاسلام يبطل عقد زواجه وقرار المحكمة الكنسية وهي محكمة مختصة بالطوائف المسيحية وتصدر قراراتها باسم جلالة الملك, فالاصل ان عقد الزواج الكنسي لا تبطله الا الجهة التي عقدته ومن دون اعتماد هذا المبدأ يكون هناك تعد من محكمة على اخرى.
تبطل المادة 30 من مسودة القانون الزواج في "حالة تزوج الرجل بزوجة الغير.." اي تزوج بامرأة على ذمة رجل اخر فيكون الزواج باطلا, لكن هذه المادة لا تطبق على الزوج المسيحي الذي يفقد زوجته فور اعلان اسلامها ويقع في مشكلة قانونية وملامة اجتماعية لا تنتهي.
لا نشك بان ترك المسيحي لدينه والدخول في الاسلام او غيره يندرج تحت باب حرية المعتقد وحرية الضمير, والايمان الحقيقي بعيدا عن مصلحة شخصية, والمعلوم ان الكنائس العربية ترفض"التبشير ولا تقبل مؤمنين جددا" احتراما للقوانين والمشاعر وحرصا على عدم مس قدسية العلاقة الاخوية مع المسلمين.
لا مصلحة للعرب في اختفاء المسيحيين من البلاد العربية في ظل الصراع القومي العربي الاسلامي مع الصهيونية المدعومة من الغرب المسيحي, فوجود الكنائس الى جانب المساجد يؤكد سماحة الاسلام العظيم وتنوع مكوناته, وانفتاح مجتمعاته, في ظل تنامي دعوات التعصب والانغلاق في اوروبا (منع بناء المآذن, منع الحجاب, يهودية الدولة). وفي المقابل فان تفريغ الاراضي المقدسة من المسيحيين العرب تندرج ضمن المخططات الصهيونية في تحويل الصراع الاستعماري على ارض فلسطين الى صراع ديني مع المسلمين.
من هنا فان ترك المسيحي العربي لدينه يجب ان لا ينظر له من باب الكسب والخسارة ( نقصوا وزدنا) بل من باب المصلحة الوطنية والامن الاجتماعي وعلاقات العيش المشترك, وبالتالي قياس الامر من باب القناعة الخالصة والايمان الحقيقي بالاسلام وليس من باب المصالح الشخصية او الاضرار بالاخرين.
وقد تنبه قاضي القضاة المرحوم الشيخ عز الدين الخطيب التميمي لضرورة منع اتخاذ الاسلام مطية لاهداف دنيوية فارسل تعميما خطيا بتاريخ 17/11/2004 موجها الى القضاة الشرعيين حدد لهم فيه اسس قبول اعتناق الاسلام بعيدا عن " اهداف دنيوية مثل التهرب من احكام تصدر بحقهم من المحاكم الكنسية او الرغبة في الزواج او الطلاق " وطلب قاضي القضاة التأكد من عدم " استعمال الدين الاسلامي مطية لاهداف دنيوية" وربط قبول معاملة اسلام اي شخص ب¯ "ابراز شهادة براءة ذمة من المحاكم الشرعية والنظامية والكنسية والتثبت من عدم وجود مصالح دنيوية وان تكون الغاية من إشهار الاسلام عن قناعة تامة وعقيدة راسخة وان يكون مطلعا على اركان الاسلام وتعاليمه". كلام عقلاني رائع, لكنه بحاجة الى تطبيق!!.(العرب اليوم)
