عن اللعبة السياسية
تم نشره الخميس 17 حزيران / يونيو 2010 04:21 صباحاً
المدينة نيوز – توجان فيصل - : حين جلست لكتابة هذه المقالة، تذكرت مقالة زميلي في الكتابة وجاري في صفحة “منتدى الراية” الأستاذ سليم عزوز، قبل اسبوعين عن التزوير الذي جرى لانتخابات مجلس الشعب الأخيرة، والتي عنونها “مصر في مرحلة ما بعد الديمقراطية”. فكل ما قاله عما جرى في تلك الانتخابات ينطبق على انتخاباتنا بدءا من الفوز بأصوات غير مسبوقة في غياب الناخبين وبحضور أصوات الأموات.. ووصولا لتجاوز عهد “السياسيين المحترفين” الذين عندما كانوا يديرون دفة العمل السياسي كانوا “يحسبون حسابا للفضيحة” ولا يرتكبون من الجرائم الانتخابية ما ينتقل بها إلى هذه الدرجة. فنحن تجاوزنا حتما ذلك الحد في انتخابات عام 2007 بصورة مكنت من حل مجلس النواب بعد سنتين من انتخابه ونيل تهليل وتأييد شعبي لذلك الحل يحصل لأول مرة في تاريخ البلد .. لحين تبين أن ما سيليه قد يكون أسوأ.
فحكوماتنا، بعد ان “طيرت دوائر من تحت أصحابها” كما حدث في مصر، وحدث هذا عندنا للشراكسة في البداية بأن منعوا جميعا من الترشح في الدائرة الثالثة في عمان، والتي هي قلب المدينة التي بناها الشراكسة وحدهم في الفلاة وبما أهّلها لتصبح العاصمة.. وجرى تقطيع تلك الدائرة وتوزيع مقاعدها حسبما وصفه الأستاذ عزوز” بقسمة الغرماء” كيلا تنتج دائرة الحيتان تلك حوتا واحدا رغم التزوير المكشوف “للبلاعيط”.. وزادت الحكومة الحالية بتفتيت أشد لكل دوائر المملكة ثم بجعلها دوائر “افتراضية”، والذي هو وضع “غير مسبوق” آخر يسجل لنا اختراعه. وبهذا كله نحن السباقون للوصول إلى مرحلة “ مابعد الديمقراطية”، تلك الديمقراطية التي غادرناها، أو غادرتنا إلى غير رجعة، في العام 1962 عندما تجرأ آخر مجلس نواب اردني منتخب بنزاهة على إعلان أنه لن يعطي الثقة لحكومة سمير الرفاعي الأول، جد سمير الرفاعي الثاني ووالد زيد الرفاعي(الأول) .. وهذا دليل آخر على اننا سبقنا مصر في توريث، هو ايضا لا سابقة له ولا مثيل في العالم كله.
والأهم ان رئيس الحكومة الذي ليس له تاريخ سياسي سابق، لم يحاول ترويج نفسه، بل ولم يحاور أحدا بل ولا يظهر في أي لقاء عام يضم سياسيين أو صحفيين كبارا كما يفعل عادة رؤساء الوزارات (باستثناء الشريف زيد بن شاكر)، بل يتولى هذه المهمة عنه إن جرت لماما، نائباه اللذان اختيرا بعناية لاعتبارات إعلامية واقتصادية وعشائرية. ولكن حتى الحوار الشكلي وغير الملزم على مستوى النائبين أو على مستوى وزير شكلي كوزير” التنمية السياسية”، وقبل إصدار قانون بأهمية الانتخاب، لم يجر هذه المرة . وللإنصاف نذكر هنا انه في بعض الحالات المحدودة جدا، كان الآخرون هم من يرفضون محاورة الرئيس، وعرف من هؤلاء المتقاعدون العسكريون الذين أصدروا بيانا مهما قبل شهرين. ولكن العسكريين ليسوا رجال قول ومماحكة سياسية (وهو ما يبرر بعض هنات صياغة بيانهم التي استدعت توضيحا منهم)، بل هم رجال فعل ميداني بتكوينهم وتأهيلهم.
ولكن خطأ الرئيس كان فيمن اختار الحديث معهم بعد طول صمت لم يكن كله “من ذهب “، والذين ليست لهم أية صفة تمثيلية للشباب لا سياسيا ولا عمريا (مرحلة الشباب تتجاوز سن الأربعين في التعريف السياسي)، كما يريد أن يوحي الخبر الرسمي. هم مجموعة أولاد وبنات أغرار دخلوا الجامعة صحيح، ولكنهم بالكاد تجاوزوا سن الثامنة عشرة بدليل أن الرئيس اصطحبهم إلى دائرة الأحوال المدنية لتسجيلهم كناخبين لأول مرة. وذلك ضمن ما وصف بأنه حملة إعلامية مكثفة لتشجيع الشباب والناخبين غير المسجلين على التسجيل في جداول الناخبين مع بدء الفترة المخصصة لذلك في القانون وهي شهر قابل للتمديد أسبوعا واحدا. ومع انه جرى “ بإيعاز من الرئيس” كما يقول الخبر، فتح مكاتبة مؤقت للأحوال المدنية في الجامعات، فإن النتائج جاءت “مخيبة “.فبعد اسبوع من بدء التسجيل لم يتجاوز عدد المسجلين إثني عشر ألفا من سبعمائة وخمسين ألف ناخبا غير مسجل.
الشباب الواعي المسيس النشط لهم تجربة مع هذه الحكومة، وليس فقط سابقاتها، تمثلت تحديدا بقانون انتخاب الجامعة الهاشمية الأحدث الذي عمم تجربة قانون الانتخاب للبرلمان في وضع مواصفات غير دستورية (بالنسبة لشروط الترشح للنيابة كما لمبدأ تكافؤ فرص المواطنين) تتيح إقصاء من لا تريده الجهات الرسمية عن الترشح ابتداء. وبالفعل جرى إقصاء أكثر من نصف المترشحين لمجلس طلبة تلك الجامعة. ونتيجة الإقصاء كانت “مخيبة “ للطلاب، وأنتجت تعزيز الفئوية الضيقة في الجامعات، بل وقوّت البلطجية الساعين للعنف بلا مبرر. وهذه لا يقتصر أثرها على جر عشائر الطرفين وعدد من “ كبارهم” ومثقفيهم لمعارك مسلحة، بل ثبت لبعض المتابعين ان المطامع في المقاعد النيابية التي تدنت سوية من يشغلونها مؤخرا، كانت تحرك عجلة العنف تلك لتزاحم به القيادات العشائرية المسؤولة والرصينة .. ولم تتعظ الحكومة بهذه التجارب.
الصحافة التي تحاول جاهدة مجاملة الحكومة دون التفريط كليا باستقلالها، قالت ان الرئيس”رمى” بثقله في الحملة حين رعى حملة المجلس الأعلى للشباب “صوتك حاسم” الهادفة إلى حث الشباب على التسجيل والمشاركة في الانتخابات، وقام بمرافقة شباب جامعيين إلى دائرة الأحوال المدنية للتسجيل كناخبين. وحسب حسبة ذات الصحيفة، فإنه بنهاية الشهر ومع التمديد أسبوعا إضافيا، لن يتجاوز عدد المسجلين الخمسين ألف ناخب ليسوا جميعا من الشباب . بل إن جزءا غير يسير من الشباب منهم ألزموا بالتسجيل من قبل أهلهم خدمة لقريب طامح أو طامع في النيابة، والأرجح أن يكون قادرا وراغبا في شراء الأصوات الذي لا يصدق الناس انه توقف كما لا يصدقون مجمل مزاعم نزاهة الانتخابات. أي أن الثقل العشائري وحتى عوامل الطمع المالي تقف وراء تسجيل أغلب هؤلاء .. فكم يكون “ثقل” الحكومة في هذه الحسبة؟
السؤال محرج، خاصة مع علم الحكومة أن عددا ممن تمنعهم من الترشح بقوانينها أو ستمنع وصولهم بإجراءاتها، إعلانهم نية ترشحهم كفيل بجعل السبعمئة وخمسين ألف ناخب غير مسجل يقفون في طوابير لتسجيل أنفسهم.. ولكن الحرج هو أقل عواقبه ثقلا على الحكومة ورئيسها خاصة، إن وعي مدلولاته أو وعاها مستشاره الأكثر حنكة والمضطر لأن يكون أكثر صراحة،وهو والده.
الحكومة الحالية خسرت كل الأثقال الحاسمة والمرجحة أو المثبتة في” اللعبة السياسية “ وهي تواجه رفضا شعبيا ستصعده مجريات الانتخابات، وبخاصة النتيجة التي ستفرزها . هي رفضت العمل والتشاور مع القيادات ذات الأوزان الكبيرة، بل واستعدت الكثير منها صراحة.. وحين جاءت لتلعب “انتخابات” مع الشباب باعتبارهم صغارا يمكن كسب اللعبة معهم .. فوجئت برفضهم اللعب معها.
هل خسارة الحكومة دائمة، أم هل سيجري الرجوع عنها ؟؟ أمر جدلي قد تفيد فيه خبرة الشيوخ من “السياسيين المحترفين” بأكثر مما تفيد حماسة أو اندفاع الشباب. ( الراية القطرية ) .
فحكوماتنا، بعد ان “طيرت دوائر من تحت أصحابها” كما حدث في مصر، وحدث هذا عندنا للشراكسة في البداية بأن منعوا جميعا من الترشح في الدائرة الثالثة في عمان، والتي هي قلب المدينة التي بناها الشراكسة وحدهم في الفلاة وبما أهّلها لتصبح العاصمة.. وجرى تقطيع تلك الدائرة وتوزيع مقاعدها حسبما وصفه الأستاذ عزوز” بقسمة الغرماء” كيلا تنتج دائرة الحيتان تلك حوتا واحدا رغم التزوير المكشوف “للبلاعيط”.. وزادت الحكومة الحالية بتفتيت أشد لكل دوائر المملكة ثم بجعلها دوائر “افتراضية”، والذي هو وضع “غير مسبوق” آخر يسجل لنا اختراعه. وبهذا كله نحن السباقون للوصول إلى مرحلة “ مابعد الديمقراطية”، تلك الديمقراطية التي غادرناها، أو غادرتنا إلى غير رجعة، في العام 1962 عندما تجرأ آخر مجلس نواب اردني منتخب بنزاهة على إعلان أنه لن يعطي الثقة لحكومة سمير الرفاعي الأول، جد سمير الرفاعي الثاني ووالد زيد الرفاعي(الأول) .. وهذا دليل آخر على اننا سبقنا مصر في توريث، هو ايضا لا سابقة له ولا مثيل في العالم كله.
والأهم ان رئيس الحكومة الذي ليس له تاريخ سياسي سابق، لم يحاول ترويج نفسه، بل ولم يحاور أحدا بل ولا يظهر في أي لقاء عام يضم سياسيين أو صحفيين كبارا كما يفعل عادة رؤساء الوزارات (باستثناء الشريف زيد بن شاكر)، بل يتولى هذه المهمة عنه إن جرت لماما، نائباه اللذان اختيرا بعناية لاعتبارات إعلامية واقتصادية وعشائرية. ولكن حتى الحوار الشكلي وغير الملزم على مستوى النائبين أو على مستوى وزير شكلي كوزير” التنمية السياسية”، وقبل إصدار قانون بأهمية الانتخاب، لم يجر هذه المرة . وللإنصاف نذكر هنا انه في بعض الحالات المحدودة جدا، كان الآخرون هم من يرفضون محاورة الرئيس، وعرف من هؤلاء المتقاعدون العسكريون الذين أصدروا بيانا مهما قبل شهرين. ولكن العسكريين ليسوا رجال قول ومماحكة سياسية (وهو ما يبرر بعض هنات صياغة بيانهم التي استدعت توضيحا منهم)، بل هم رجال فعل ميداني بتكوينهم وتأهيلهم.
ولكن خطأ الرئيس كان فيمن اختار الحديث معهم بعد طول صمت لم يكن كله “من ذهب “، والذين ليست لهم أية صفة تمثيلية للشباب لا سياسيا ولا عمريا (مرحلة الشباب تتجاوز سن الأربعين في التعريف السياسي)، كما يريد أن يوحي الخبر الرسمي. هم مجموعة أولاد وبنات أغرار دخلوا الجامعة صحيح، ولكنهم بالكاد تجاوزوا سن الثامنة عشرة بدليل أن الرئيس اصطحبهم إلى دائرة الأحوال المدنية لتسجيلهم كناخبين لأول مرة. وذلك ضمن ما وصف بأنه حملة إعلامية مكثفة لتشجيع الشباب والناخبين غير المسجلين على التسجيل في جداول الناخبين مع بدء الفترة المخصصة لذلك في القانون وهي شهر قابل للتمديد أسبوعا واحدا. ومع انه جرى “ بإيعاز من الرئيس” كما يقول الخبر، فتح مكاتبة مؤقت للأحوال المدنية في الجامعات، فإن النتائج جاءت “مخيبة “.فبعد اسبوع من بدء التسجيل لم يتجاوز عدد المسجلين إثني عشر ألفا من سبعمائة وخمسين ألف ناخبا غير مسجل.
الشباب الواعي المسيس النشط لهم تجربة مع هذه الحكومة، وليس فقط سابقاتها، تمثلت تحديدا بقانون انتخاب الجامعة الهاشمية الأحدث الذي عمم تجربة قانون الانتخاب للبرلمان في وضع مواصفات غير دستورية (بالنسبة لشروط الترشح للنيابة كما لمبدأ تكافؤ فرص المواطنين) تتيح إقصاء من لا تريده الجهات الرسمية عن الترشح ابتداء. وبالفعل جرى إقصاء أكثر من نصف المترشحين لمجلس طلبة تلك الجامعة. ونتيجة الإقصاء كانت “مخيبة “ للطلاب، وأنتجت تعزيز الفئوية الضيقة في الجامعات، بل وقوّت البلطجية الساعين للعنف بلا مبرر. وهذه لا يقتصر أثرها على جر عشائر الطرفين وعدد من “ كبارهم” ومثقفيهم لمعارك مسلحة، بل ثبت لبعض المتابعين ان المطامع في المقاعد النيابية التي تدنت سوية من يشغلونها مؤخرا، كانت تحرك عجلة العنف تلك لتزاحم به القيادات العشائرية المسؤولة والرصينة .. ولم تتعظ الحكومة بهذه التجارب.
الصحافة التي تحاول جاهدة مجاملة الحكومة دون التفريط كليا باستقلالها، قالت ان الرئيس”رمى” بثقله في الحملة حين رعى حملة المجلس الأعلى للشباب “صوتك حاسم” الهادفة إلى حث الشباب على التسجيل والمشاركة في الانتخابات، وقام بمرافقة شباب جامعيين إلى دائرة الأحوال المدنية للتسجيل كناخبين. وحسب حسبة ذات الصحيفة، فإنه بنهاية الشهر ومع التمديد أسبوعا إضافيا، لن يتجاوز عدد المسجلين الخمسين ألف ناخب ليسوا جميعا من الشباب . بل إن جزءا غير يسير من الشباب منهم ألزموا بالتسجيل من قبل أهلهم خدمة لقريب طامح أو طامع في النيابة، والأرجح أن يكون قادرا وراغبا في شراء الأصوات الذي لا يصدق الناس انه توقف كما لا يصدقون مجمل مزاعم نزاهة الانتخابات. أي أن الثقل العشائري وحتى عوامل الطمع المالي تقف وراء تسجيل أغلب هؤلاء .. فكم يكون “ثقل” الحكومة في هذه الحسبة؟
السؤال محرج، خاصة مع علم الحكومة أن عددا ممن تمنعهم من الترشح بقوانينها أو ستمنع وصولهم بإجراءاتها، إعلانهم نية ترشحهم كفيل بجعل السبعمئة وخمسين ألف ناخب غير مسجل يقفون في طوابير لتسجيل أنفسهم.. ولكن الحرج هو أقل عواقبه ثقلا على الحكومة ورئيسها خاصة، إن وعي مدلولاته أو وعاها مستشاره الأكثر حنكة والمضطر لأن يكون أكثر صراحة،وهو والده.
الحكومة الحالية خسرت كل الأثقال الحاسمة والمرجحة أو المثبتة في” اللعبة السياسية “ وهي تواجه رفضا شعبيا ستصعده مجريات الانتخابات، وبخاصة النتيجة التي ستفرزها . هي رفضت العمل والتشاور مع القيادات ذات الأوزان الكبيرة، بل واستعدت الكثير منها صراحة.. وحين جاءت لتلعب “انتخابات” مع الشباب باعتبارهم صغارا يمكن كسب اللعبة معهم .. فوجئت برفضهم اللعب معها.
هل خسارة الحكومة دائمة، أم هل سيجري الرجوع عنها ؟؟ أمر جدلي قد تفيد فيه خبرة الشيوخ من “السياسيين المحترفين” بأكثر مما تفيد حماسة أو اندفاع الشباب. ( الراية القطرية ) .
