تحرير السوق الفلسطيني من هيمنة الاقتصاد الإسرائيلي بانتظار الاستقلال والسيادة
المدينة نيوز - بذل الفلسطينيون في العام 2010 جهدا كبيرا من أجل تحرير سوقهم من الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية، لكن ترجمة هذه النجاح على أرض الواقع تظل رهنا بزوال العقبات الإسرائيلية وحصول الفلسطينيين على الاستقلال الكامل.
ويأتي هذا الجهد لتنفيذ برنامج الحكومة الفلسطينية بإقامة الدولة وإنهاء الاحتلال، أي تحقيق أعلى جاهزية لإدارة مؤسسات الدولة، وإدارة الاقتصاد في حال قيام الدولة، وتثبيت المواطن على أرضه والصمود فيها، وتوفير مستلزمات الصمود.
واحتل موضوع مكافحة بضائع المستوطنات العنوان الأبرز في هذا الجهد، وقطع وزير الاقتصاد الوطني بداية العام عهدا على نفسه بتنظيف السوق الفلسطيني من هذه المنتجات، والتي تبلغ قيمتها حوالي 500 مليون دولار.
ولتحقيق هذا الهدف، سنت السلطة الوطنية الفلسطينية مجموعة من القوانين، التي تعاقب كل من يتاجر أو يخزن او ينقل هذه البضائع، وأنشأت صناديق خاصة لمعالجة القضايا الناشئة عن مكافحة بضائع المستوطنات، واتخذت العديد من الإجراءات على مستوى المواصفات، وحماية المستهلك، في محاربة البضائع الفاسدة، والمنتهية الصلاحية التي تتدفق للسوق الفلسطيني، والذي يختل ميزان التجارة فيه لصالح الجانب الإسرائيلي بنسبة 1-4.
كما عملت السلطة على مستويات عدة من أجل تهيئة البيئة القانونية اللازمة لتنمية المنتج المحلي وإعطائه فرصا تنافسية حقيقية.
حملة مكافحة بضائع المستوطنات تكاد تحقق أهدافها وقال وزير الاقتصاد الدكتور حسن أبو لبدة "تكاد هذه الحملة أن تحقق أهدافها، والتفتيش المستمر يشير لندرة سلع بضائع المستوطنات في سوقنا المحلي".
ووصف الحملة بالناجعة،مؤكدا التزام الحكومة بخلو السوق الفلسطيني من بضائع المستوطنات مع نهاية العام.
وأشار لشغل المنتج الفلسطيني والأجنبي للفراغ الذي خلقته الحرب القائمة على بضائع المستوطنات، وإلى خطة وزارته لمضاعفة حصة المنتج الوطني في سلة المستهلك الفلسطيني خلال ثلاث سنوات قادمة،( حصة الصناعة الفلسطينية في سوقها المحلي 20 بالمئة)، ما يعني خلق عشرات الاف فرص العمل.
واضاف "ما يعيقنا هو عدم إنجاز منظومة المواصفات، وأن هناك حاجة لعدد كبير من هذه المواصفات يفوق 3 الاف مواصفة، ونعمل في مؤسسة المواصفات على تجاوز ذلك، من خلال اعتماد مواصفات دولية في السوق المحلية ،ومراجعة هذه المواصفات وتوطينها".
وفعٌلت وزارة الاقتصاد الوطني بصورة واضحة قانون حماية المستهلك، وبذلت جهودا لتنظيم السوق المحلي، والذي يعني توفير السلع المطابقة بالحد الأدنى للمواصفة الفنية التي تضمن سلامة وصحة المواطن،وضبط السوق ومحاربة إغراقه بسلع غير مطابقة للمواصفات.
وقال أبولبدة" في حال تطبيق هذه الإجراءات بشكل سليم ،فإننا نمنح السلع الوطنية الفرصة للمنافسة بطريقة أفضل" .
واضاف " تبذل السلطة الوطنية جهودا كبيرة على المستوى الدولي والعربي، لتفعيل وتوقيع اتفاقيات تعطي للمنتج الفلسطيني فرص المنافسة في الأسواق الخارجية".
وقال ان من أبرز الإنجازات على هذا الصعيد، الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي بصورة اولية لتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة الشهر الجاري، تسمح بتدفق السلع الفلسطينية إلى الاتحاد الأوروبي، بدون كوتا وبدون جمارك، وهذه الخطوة تعطينا ميزة هائلة اذا ما أحسنا استغلالها، وعلينا الالتفات جديا لتأهيل الصناعة الفلسطينية، لتكون أكثر قدرة على التصدير وتلبية احتياجات السوق المحلي.
وزارة الزراعة : سياسات تدخلية في ضبط الأسعار وعن الجهد في القطاع الزراعي يقول وزير الزراعة الدكتور إسماعيل دعيق "شاركنا بشكل فعال في مكافحة بضائع المستوطنات، وكان لهذه الحملة أثر ايجابي واضح على مجمل الإنتاج الفلسطيني، (حجم مستنلزمات الانتاج الزراعي يصل إلى 2را مليار دولار نستورد منها حوالي 800 مليون دولار سنويا من إسرائيل، حيث تم إحلال الكثير من المنتجات الزراعية مكان منتجات المستوطنات".
ويشير دعيق إلى أن هذه الخطوات لحظها المزارعون المتخصصون، ولم يتم رصد هذا الأثر بأرقام، ولم نتمكن من دراسته بصورة تفصيلية حتى اللحظة.
ويوضح دعيق أن الأثر الحقيقي لحملة مكافحة بضائع المستوطنات الزراعية، ستتضح العام القادم، اذ سيصار الى تنفيذ مشاريع زراعية لزراعة التمور والبطيخ .
وستقوم هذه المشاريع باستيعاب العمالة الزراعية الفلسطينية في المستوطنات، ( نحو 7 الى 8 ألاف عامل فلسطيني ، من أصل 20 ألف عامل يعملون في المستوطنات).
وتحدث دعيق عن خطة لاستيعاب جزء من عمال قطاع الإنشاءات في المستوطنات، بعد تدريبهم.
وقال إن قطاع الزراعة سيستوعب ما بين 10-12 ألف عامل.
وأضاف أنه تم تشكيل لجنة خاصة لأول مرة في تاريخ السلطة الفلسطينية، مخولة بالكشف على المنتجات الزراعية الإسرائيلية التي تصدر للسوق الفلسطيني، لمنحها التراخيص اللازمة لتصديرها للسوق الفلسطينية بشرط أن لا تكون من إنتاج المستوطنات.
وقال "ولكن الجهد الرئيسي لوزارة الزراعة ينصب على إعداد القوانين التي تسمح بتطوير قطاع الزراعة ( يشكل 10 بالمئة من الناتج القومي الفلسطيني ويشغل 14بالمئة من القوى العاملة الفلسطينية) لزيادة حصته في الناتج القومي الفلسطيني، واستيعاب المزيد من العمالة الزراعية، من نوع التأمين الزراعي، وإنشاء شركة للتسويق الزراعي، وصندوق للإقراض الزراعي،إضافة إلى مجموعة من الإجراءات لحماية المنتج الفلسطيني".
ويرى الوزير أن سياسات وزارته التدخلية في تسعير المنتجات الزراعية في السوق الفلسطيني ، نجحت في ضبط الأسعار على مستويات معينة، وساهمت أيضا في صمود المزارع في أرضه.
ويوضح دعيق هذه السياسة بالقول" رغم التزام فلسطين بالعمل على أساس السوق الحرة، إلا أن تدخلنا يأتي لصالح المحافظة على أسعار المنتج الزراعي الفلسطيني، ويمكن المزارع من الربح والاستمرار.
ويضيف" يتم ذلك من خلال تقليص تصاريح الاستيراد من إسرائيل خلال مواسم الإنتاج المحلي، وزيادتها في حالات ارتفاع الأسعار".
وزارة العمل: توجهات معاكسة ويقول وزير العمل أحمد مجدلاني، إن فكرة تحرير السوق الفلسطيني في موضوع العمل تتعارض مع توجهات وزارة العمل التي تدعو إلى فتح سوق العمل الإسرائيلي أمام العمال لحل مشكلة العمالة في فلسطين، لافتا لعمل28 ألف عامل فلسطيني داخل إسرائيل هذا العام مقابل 160 الف عامل عشية انتفاضة الأقصى عام 2000.
وأكد مجدلاني أن هذه الفكرة لا تتعارض مع فكرة مكافحة بضائع المستوطنات وبالتالي منع العمل في المستوطنات.
وأشار الى عمل وزارته على إقرار القانون الخاص بصندوق الكرامة لتشغيل العمال والممول من الموازنة العامة، مقدرا أن رأسمال الصندوق سيصل لحوالي 20 مليون دولار، وتقوم فكرة الصندوق على تشجيع التشغيل الذاتي، عبر دعم مشاريع فردية أو جماعية.
وأضاف أن فكرة تحرير سوق العمل بالكامل، قضية لا تقوى عليها دول ، فهناك دول عربية عريقة ومستقرة مثل مصر توقع اتفاقيات مع دول الخليج لتصدير العمالة.
وأوضح مجدلاني أنه لا يمكن التحكم بالسوق الا من خلال التحكم بنسب المواليد، وهي من النسب الأعلى عالميا في بلادنا حيث يصل صافي النمو في المواليد إلى 3 بالمئة.
إسرائيل تقف بالمرصاد لقطاع الاتصالات وتبدو القضية الأصعب في تحرير السوق الفلسطيني من الهيمنة الإسرائيلية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتي تقف لها إسرائيل بالمرصاد بسبب تحكمها بمنافذها، فهي البوابة الرئيسة في موضوع الاتصالات والبريد الدولي.
ويقول وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مشهور أبو دقة " تخسر فلسطين حوالي 200 الف دولار شهريا، نتيجة عدم تنفيذ الاتفاقيات الخاصة بالبريد الدولي ، وتقضي هذه الاتفاقيات، وحسب قانون الاتحاد الدولي للبريد بوصول بريدنا من الخارج مغلقا، ونقوم بالتحاسب عليه مع الجانب الإسرائيلي، لأنها جزء من المقاصة البريدية، لكن إسرائيل ترفض التنفيذ وتقوم بفتح الإرساليات، أي أن إسرائيل تقوم بعملية نهب لنا".
وأشار أبو دقة الى نجاح شبكات الهاتف الخلوي الفلسطيني" جوال والوطنية " بإخراج 120 مليون دولار من المنافسة غير المشروعة من قبل الخلويات الإسرائيلية ، ولكننا نخسرالكثير بسبب تحكم إسرائيل بالبوابة الرئيسية للخلوي والثابت، تماما مثلما تتحكم بحركة الأفراد على المعابر.
ويضيف: يتعرض الاقتصاد الفلسطيني لخسائر كبيرة، بسبب عدم منحه الترددات اللازمة للعمل كما تحرم إسرائيل الشركات الفلسطينية من وضع أبراجها في مناطق (سي ) وهي مناطق تقع تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية حسب اتفاقيات اوسلو ، ولذلك لا تتمكن شركات الخلوي الفلسطيني من إيصال بثها لكافة المناطق الفلسطينية، وهناك مناطق مثل الأغوار تستخدم الخلوي الإسرائيلي أو الأردني، وكل ذلك يتم تحت ذرائع أمنية.
ويؤكد ابو دقة ان هذه الإجراءات تصب في مصلحة الشركات الإسرائيلية الخلوية، والتي تستطيع الدخول على الشبكة الفلسطينية بسبب انتشار أبراجها في كافة المناطق، ولكن الشبكة الفلسطينية لا تستطيع الدخول على الشبكة الإسرائيلية،لافتا لقيام إسرائيل بجباية رسوم عن مرور مكالماتنا عبر الشبكة الإسرائيلية.
ويشير الى تعامل الشركات الإسرائيلية مع المناطق الفلسطينية كسوق سوداء في الخلويات، فلا تدفع ضرائب، ولا تراخيص مقابل استخدام سوقنا،كما تمنع إسرائيل شركات الخلوي الفلسطيني من ترددات الجيل الثالث، وتقوم ببيعها في السوق الفلسطيني.
وقال أبو دقة إن "فلسطين توجهت بشكاوى إلى الاتحاد الدولي للبريد، والاتحاد الدولي للاتصالات للضغط على إسرائيل، وهم يعترفون بالمشاكل، ولكنهم يعزونها للأمن".
بيد أن أبو دقة يقول إن "هذه الحجج لا تقنع أحدا، وإسرائيل تخسر يوميا لعدم تطبيقها للمعايير خصوصا في قطاع الأعمال ،ولا مفر أمام إسرائيل من احترام منظومات القوانين الدولية في ظل التفهم العالمي للمطالب الفلسطينية،إذ شرعت دول الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على إسرائيل بموضوع البريد الفلسطيني ،قد يدفع إسرائيل لتغيير موقفها".
سلطة النقد بانتظار القرار السياسي لإصدار العملة الفلسطينية ورغم جاهزية سلطة النقد الفلسطينية لممارسة دورها كبنك مركزي إلا أنها تنتظر قرارا سياسيا بممارسة هذا الدور، والمرتبط بالاستقلال وقيام الدولة الفلسطينة والسيطرة على المعابر والأجواء ، والذي يسمح للسلطة بحرية الاستيراد والتصدير.
وأكد رئيس دائرة الرقابة والتفتيش في سلطة النقد، رياض أبو شحادة " أن سلطته أعدت الدراسات اللازمة، وتم استقدام الخبراء للاستعداد وتحقيق الجاهزية لإصدار العملة الفلسطينية فور صدور القرار السياسي".
ويقول أبو شحادة " في ظل غياب عملة وطنية، فإن قدرات سلطة النقد بالتحديد فيما يخص السياسات النقدية متواضعة، والدور الأساسي الذي نقوم به يتمحور حول ترخيص ورقابة المصارف والصرافين وقريبا مؤسسات الإقراض المتخصصة،كما تقوم سلطة النقد بإدارة نظام المدفوعات الوطني".
ويضيف " وحتى صدور العملة طرحنا عددا من الخيارات منها دولرة الاقتصاد الوطني، بمعنى إحلال الدولار مكان الشيكل الإسرائيلي للتداول اليومي، للخروج من تداول أربع عملات في السوق الفلسطيني في البيع والشراء اليومي" .
وأضاف "قمنا بإعداد الدراسات اللازمة،وأهم ما في هذا الموضوع، الجانب المتعلق بالرواتب، حيث تتلقى السلطة معونات بالدولار،وتصرف 600 مليون شيكل شهريا، وهي تتأثر بتباين أسعار صرف العملات،وقضية الدولرة تهدف لتجاوز التباين في سعر الصرف ما بين الشيكل والعملات الأخرى في السوق، والذي يؤثر على المواطن والسلطة معا".
وتتطلب عملية الإحلال هذه رعاية دولية لاتفاق متعدد الأطراف،يشمل بوجه خاص إسرائيل والأردن، حيث على الطرفين فتح حدودهما لدخول الدولار بشكل واسع للتداول اليومي، وسحب أموالهما من السوق الفلسطينية،وما زالت الدراسات والاتصالات متواصلة بهذا الشأن مع الأطراف المعنية. (بترا)
