جناح الذل ورأس العز

تم نشره الأربعاء 21st آذار / مارس 2018 12:15 صباحاً
جناح الذل ورأس العز
رمزي الغزوي

هو يوم آخر يا أمي، إذ نلهث وراء جنة من سلسبيل تحت ظل قدميك، اللتين أكلهما التعب وشققهما المسير في وعر الدروب لأجلنا!. نحن معك وبك ولك، لا نقطع عنَّا حبل السّرة أبداً، فلا تدوري أيتها الأرض؛ ولا تشيخي أيتها الشمس، كي لا يطول فينا الشوك ويقسو، وكي لا يذبل فينا الزهر ويشيخ عبقه. فدعيني أمي أظل  صغيراً يبحث عن أصابع حرير تتغلغل في شعري كمشط حنون، فتسبل أحلامي النافرة من نافذة العمر!. 
ماذا دهاك أيها الرجل الأربعيني؟!، أبعدما صرت أباً تودّ لو تأخذك أمك برأسك الموخط برماد العمر وغباره، وتدفنه في حجرها وعطرها وتهدهدك وتهدهدك، وتغني لك بشجي صوتها، وتعدك بطير حمام سمين، تذبحه لك على عتبات ذلك النوم؛ فينام الحمام المسكين، ووحدك تطير بناعم الريش على جناح الأحلام.
أم تراك تعيد دوزنة صورتك القديمة، وتجترها كلما لكمتك الأيام، تتذكر نفسك إذ تعود من المدرسة متحمحماً للعب والشيطنة، فترمي بكتبك القبيحة من شق الباب وتطير للحارة والأشقياء، ومساءً حين تعود ملطخاً بالطين والخطايا، أشعث مثل قط الولائم!، تنتظر بفارغ الخوف عقاباً لا يؤلم إلاَّ ألماً طرياً، فتنزل عليك زجة الصفعات كمطر خفيف؛ فتتباكى بمطر غزير؛ ثم لتضمك أمك إلى صدرها نائماً على وقع خفقات قلبها الكبير!.
أم أنك ترى نفسك في طفلك إذ يهرع فارداً ذراعيه إلى حضن جدته، وعندها تتمنّى بخبث لو تتبادل الدور معه لمرة واحدة فحسب، فتصير طفلاً ينجحر في حضن جدته الوثير!.
عندما كانت تضبطني أمي متلبساً بمصِّ بقايا فناجين القهوة ولعقها، كانت بأصابعها تمسح عن خاتم فمي الشاربين الزائفين، ثم تنهال علي بالقبلات والضحكات، وتدعو لي أن أكبر، وتكبر همتي وتطاول قامات السحاب؛ وأن أصير رجلاً بشاربين حقيقيين، يقف عليهما الصقر.
وها نحن كبرنا يا أماه، ولاكتنا الأيام ومصتنا، فلماذا أثقلتنا هذه الشوارب؟!، ولماذا كلما أتعبنا هذا العمر الزائف؛ وددنا لو أن شواربنا من بقايا القهوة؛ عسانا نمسحهما؛ ونعود صغاراً يلوذون بفنجان قهوة بتفله اللذيذ.
ولهذا فيوم الطناجر والخلاطات وهدايا أدوات المطبخ لا يعنينا من قريب وبعيد، إذ نلهث وراء جنة من سلسبيل وحرير تحت قدميك كل يوم من أيام العام: فيا الله، امنحني رأساً مرفوعاً شامخاً، وجناحاً لا ينخفض إلا لأمي ذلاً ورحمة!. 
فلأجل أمي بعيدها، وردة لكل الأمهات إذ يجعلن كوكب الأرض عالماً قابلاً للحياة والحب.

الدستور 2018-03-21



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات