الوقف نموذج تنموي حضاري لم يحصره الشارع بمسجد فقط

تم نشره الإثنين 22nd نيسان / أبريل 2019 01:13 مساءً
الوقف نموذج تنموي حضاري لم يحصره الشارع بمسجد فقط
مبالغ اردنية - ارشيفية

المدينة نيوز-هبة العسعس- :  بمليارات الدنانير تقُدِّر قيمة الوقف الخيري بالمملكة معظمها في مساجد وصل عددها الى نحو 7000، فيما لا تزال المستشفيات والمراكز صحية والمدارس والحدائق وغيرها لا تشكل أولوية عند الواقف أو في برامج الوقفيات، بالرغم من الحاجة الملحة لبناء 600 مدرسة حكومية خلال السنوات القادمة بحسب وزارة التربية والتعليم. ولا تزال ثقافة الوقف خارج حدود بناء المساجد ضعيفة وتحتاج إلى مزيد من التحفيز للوصول إلى بيئة وقفية في مجالات أخرى بحسب حاجة المجتمع زمانيا ومكانيا، وهي مسألة لها علاقة مباشرة بضرورة إحياء الوقف الخيري ليكون نموذجا حضاريا يكشف قوة المجتمع وإمكاناته في تحقيق مقاصد التشريع والحاجة الانسانية، وتحقيق التوازن الاقتصادي بين من يملك المال ومن لا يملكه، بحسب خبراء ومختصين.
ويؤكد هؤلاء الخبراء على الدور الذي تقوم به الدولة لتشجيع الناس على التنوع في الوقف وتعزيزه في المجتمع من خلال منح إعفاءات ضريبية لجميع انواع الوقف وعدم حصرها بالمساجد والتوسع فيه لإنشاء أماكن ذات نفع عام في مختلف القطاعات، الا أن ثقافة الوقف خارج حدود بناء المساجد ما زالت ضعيفة وتحتاج إلى مزيد من التحفيز والتوعية.
مجلس الوزراء كان أقر أخيرا الأسباب الموجبة لمشروع معدل لنظام بناء المساجد ودور القرآن الكريم لعام 2019، إذ تضمنت مسودة مشروع النظام في المادة السابعة منه ترتيب المساجد ضمن 3 فئات هي: المسجد الجامع والمسجد، والمصلى، واشترط مشروع النظام في بناء المساجد ما يراعي حاجة المنطقة من ناحية العناصر الانشائية والخدماتية، كتوفير حديقة ومواقف للسيارات لحل مشكلة المرور امام المساجد، وتوفير محلات تجارية تدر ريعا ينفق على المسجد، وتخصيص مكان لمدرسة تعليمية ومركز صحي وروضة اطفال ومركز ثقافي، تسهم في تعزيز البنية الأساسية للمجتمع. مدير عام دائرة تنمية أموال الأوقاف في وزارة الاوقاف محمود بدر الحديد قال، إن الدائرة تسعى لتعظيم الوقف ومضاعفته والتنوع فيه، خاصة في ظل استمرار توجه الواقف نحو بناء المساجد وحصره في هذا الجانب، موضحا أن الوقف في الإسلام ليس مقتصرا على نوع او جانب محدد، وإنما مرتبط بحاجة المجتمع في المجالات كافة، فهناك مناطق تحتاج لوقفية مدرسة واخرى تحتاج لمستشفى أو متنزه أو حديقة أطفال وهكذا. وفيما يتعلق ببناء المساجد، أشاد الحديد بدور المواطن في بناء آلاف المساجد خلال العقود الماضية والتي بلغت نحو 7000 وهذا مؤشر على الرغبة في إحياء الوقف والتشجيع عليه، مستدركا أننا بحاجة ماسة الآن إلى بناء مدارس ومستشفيات واستثمارات وقفية أخرى، مع الحرص على استمرارية صيانة المساجد القائمة، وبناء مساجد أخرى اذا كانت المنطقة بحاجة لذلك. وقدر الحديد قيمة الوقف في الأردن بمليارات الدنانير معظمها في المساجد والمقابر، لافتا الى انه على الرغم من قيمتها الدينية والروحية العظيمة التي نجلها ونحترمها، الا أن مردودها المالي صفر. وأشار إلى أن المشاريع الاستثمارية الوقفية القائمة سواء في العاصمة عمان أو في محافظات أخرى، وفرت نحو 5 آلاف وظيفة في مدارس وأسواق ومحال تجارية ومجمعات، ناهيك عن وجود مشاريع استثمارية وقفية تحت الإنشاء ستوفر اكثر من الف فرصة عمل تقريبا.
وقال إن معدل العوائد المالية من تلك الاستثمارات يقدر بنحو 5 ملايين دينار تنفق من خلال مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية على البرامج الوقفية كالتعليم من خلال ابتعاث طلبة الثانوية العامة لدراسة الشريعة الإسلامية لغايات تعيينهم على كادر وزارة الاوقاف كأئمة ووعاظ، وعلى برنامج الصحة، ورعاية المساجد ودعم الطاقة المتجددة بها، مشددا على انه لا يذهب من تلك العوائد اي مبلغ لخزينة الدولة .
ودعا الحديد الى التوجه للتنوع في مجالات الوقف وتعزيز فكرة انشاء الحدائق ورياض الاطفال والمراكز الثقافية والملاعب، لما له من دور في تعزيز الامن المجتمعي والتقليل من نسبة الجريمة بأشكالها كافة، لقضاء اوقات الفراغ في بيئة آمنة ثقافيا واجتماعيا تحت رقابة مؤسسات الدولة ذات العلاقة.
خمسة مراكز صحية ومستشفى وقفي واحد هي حصيلة الاوقاف في المجال الصحي ، فيما وصل عدد المستشفيات الحكومية نحو 32، و673 مركزا صحيا تابعا لوزارة الصحة حسب الناطق الاعلامي باسمها حاتم الازرعي. الأزرعي اشار الى اعتزام الوزارة بناء مستشفيات ومراكز صحية جديدة حسب خطتها وموازنتها مع وجود مشروعات يتم بناؤها عبر منح من مؤسسات لا تعتبر وقفا، وإنما هي تبرعات في ظل احتياجات بعض المناطق، مرحبا بدور المجتمع في مساندة جهود الوزارة بإنشاء هذه المشاريع من خلال رسالة الوقف الخيري لدعم القطاع الصحي وتقديم الخدمة للمواطنين الى جانب الدولة.
مدير عام مستشفى المقاصد الخيرية الدكتور علي السعد بني نصر قال إن فكرة إنشاء المستشفى الذي يعتبر المستشفى الخيري الوحيد، جاءت لخدمة المواطنين المحتاجين وتقديم العلاج اللازم لهم، مشيرا الى ان المستشفى في بداياته كان مركزا صحيا، وتطور على أيدي المحسنين وتم تجهيزه بأفضل المعدات الطبية.
ودعا الاغنياء الى توجيه صدقاتهم لدعم المشاريع الصحية، موضحا أن فكرة الوقف الخيري لا تقتصر على بناء المساجد فقط.
الناطق الإعلامي باسم وزارة التربية والتعليم وليد الجلاد بدوره أكد أهمية مبادرة الوقف التعليمي في دعم جهود الوزارة لإنشاء المدارس وتوفير البيئة المدرسية المناسبة في مختلف مناطق المملكة لاستيعاب الزيادة الطبيعية من الطلبة كل عام، مشيرا الى تبني الوزارة عام 2017 لمبادرة الوقف التعليمي بالتعاون مع وزارة الاوقاف نظرا لحاجتها لبناء 600 مدرسة خلال العشر سنوات القادمة بكلفة مالية تقدر بـ 2ر1 مليار دينار وبمعدل 60 مدرسة كل عام، إذ ان الوقفية التعليمية تحمل رسالة النهوض بالمجتمع وتنمية الفكر وتصحيح السلوك التربوي في مسيرة العلم. وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور محمد حمدان كان أقام مدرسة وقفية من حسابه الشخصي في منطقة عين الباشا انطلاقا من حاجة الوزارة، مشيرا الى ان ما يخصص من الموازنة العامة لوزارة التربية وما يقدم لها من مساعدات خارجية يمكنها من بناء 40 مدرسة كحد اقصى كل سنة ، وبالتالي فإن هناك عجزا في توفير البيئة المدرسية المطلوبة.
ودعا الدكتور حمدان المحسنين والمتبرعين في القطاع العام والخاص الى سد هذا النقص وجبره من خلال الوقف في بناء المدارس، اذ ان هذه المساعدة تحقق الثواب بجوانبه الثلاثة التي أوصى بها ديننا الحنيف بعد أن يتوفى الله الانسان وترتقي روحه: "صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له".
من جانبه قال مساعد مدير دائرة ضريبة الدخل والمبيعات الناطق الإعلامي باسم الدائرة موسى الطراونة، إن قانون ضريبة الدخل أجاز للشخص تخفيض أي مبلغ دفعه تبرعا دون نفع شخصي للحكومة والمؤسسات الرسمية والعامة والبلديات وصندوق الزكاة من دخله في الفترة التي تم فيها الدفع.
وأضاف الطراونة، إن القانون يهدف من منح الإعفاء تخفيض الدخل الخاضع للضريبة وتخفيض ضريبة الدخل على الشخص المتبرع، لأن هذه الجهات تقوم ببناء الأماكن ذات النفع العام وتسليمها للحكومة كتبرع مقبول لغايات الوقف.
ويرى أستاذ علم الاقتصاد الإسلامي في الجامعة الأردنية الدكتور أحمد العوران أن رسالة الوقف الخيري واضحة وجلية عبر التاريخ منذ تشريعها في النظام الإسلامي كونها ذراعا اقتصاديا وطنيا له دور مساند في بناء الدولة وخدمة المواطنين بما تقدمه من تسهيلات لتلقي الخدمة وما توفره من فرص عمل تعود بالنفع على الأفراد والمجتمع.
وأشار العوران إلى أهمية توعية المجتمع بمقاصد الشريعة الاسلامية التي تولي المصلحة العامة اهتماما كبيرا، وتزرع المسؤولية المجتمعية في نفوس الأفراد، وتنمية روح الترابط بينهم، مؤكدا ضرورة إحياء الوقف الخيري ليكون نموذجا حضاريا يكشف قوة المجتمع وامكاناته في تحقيق مقاصد التشريع والحاجة الانسانية وتحقيق التوازن الاقتصادي بين من يملك المال ومن لا يملكه، وتعزيز العلاقة التعاونية بين الدولة والأفراد في هذا الجانب.
-- (بترا)