واشنطن وبكين.. أكبر من حرب تجارية!

تم نشره الثلاثاء 11 حزيران / يونيو 2019 12:41 صباحاً
واشنطن وبكين.. أكبر من حرب تجارية!
فارس الحباشنة

الصراع التجاري بين أمريكاو الصين بعناوينهو تفرعاته بكبيرها وصغيرها ، من فرض رسوم امريكية على المستوردات الصينية،و حرب المعادن الصينية،و هواوي، وحرب الجمارك، بلا شك ثمة جانب لاوجه سياسيةو استراتيجيةو تجاريةو تسخن الى مواجهة طاحنة بين القطبين العالميين. الصعود الصيني يمثل أيضا بشكل غير محسوس على المستوى الايدولوجي، وللثقافة الصينية البديلة للامريكية التي غزت العالمو تسيطر عليه ، واحياء الثقافات المحلية لرقاع جغرافية ممتدة على خرائط الصين الجديد، وطريق الحرير، المشروع الحضاريو الاقتصادي للصين العظيم .
العالم الحديث من قرنين،و ما بعد عصر الثورة الصناعية،و الاستعمار الجديد فان مركزه أوروبا الغربيةو الشمالية، وامريكا وكندا. ولكن، لو عدنا الى التاريخ القديم والعصور الوسطىو قلبنا الخرائط العربيةو الصينيةو الهندية لجغرافيين عربو عجم لوجدنا أن رأس العالم ومركزه مشرقيو آسيوي، من بغداد الى القاهرةو القدسو السندو الهندو بحر الصين العظيمو شيرازو الاستانة الشرقية.
الخرائط اليوم تتبدلو تتقلب،و العالم يتغير،و الصين وروسيا لربما يخوضان الان حربا بانقلابات استراتيجية في مواجهة المركزية الاوروبية/الامريكية ،و الاستثناء الغربي، وهي من ايديولوجيات الاستشراق، وتمثيلات الاخر،و تكوين صور جامدةو مقولبة، وجاهزة عن المجتمعاتو الثقافات الاخرى. 
وبينما دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية يحتلفون قبل ايام في فرنسا بانزال نورمندي التاريخي في عام 1944، والذي كان من الاسباب التي تقف وراء هزيمة المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، فقد غاب الروس عن الاحتفال رغم دورهم العسكري الحاسمو الفاصل في هزيمة الالمان ، وتزامن ذلك مع زيارة للرئيس الصيني الى موسكو. وفي غبة احتدام الصراع بين واشنطنو بكين حول هواوي.
وفي مواجهة خطة ترامب في عزل الصين تكنولوجيا، فان الصينيين يبحثون عن تحالفاتو خطط بديلة، تخرجهم من المأزق الامريكي. والمسألة ليست بسيطة،و أذكر في زيارتي للصين قبل حوالي شهرين لامست الحس الصيني في التفكير باستراتيجية البدائل الاقتصاديةو التكنولوجية عن امريكا، نظام العقوبات لم يكن مطبقا، ولكن الصينيين أكثر تحوطاو حذرا من مواجهة مرتقبة مع واشنطن.
الموضوع أكبر من هواويو تجارة الهواتف. وترامب قد اعلن عن حرب تجارية مفتوحة مع الصين، وما يعني أنها طويلة الامد زمنيا. وفي الاقتصاد العالمي تعني نهاية الرأسمالية المعولمة كما عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية،و الحرب الباردة، وتجليها أكثر في الاقتصاد العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبناء الاحادية الامريكية المطلقة. 
الصينيون التقطوا الاشارة،و حللوا الشيفرة،و قرار هواوي جاء ليخبر الصينيين بان الحرب التجارية قد بدأت. وتزداد الامور تعقيدا فيما يذهب الصينيون الى الالتزام في المواثيقو قوانين التجارة العالمية،و يمضي ترامب الى سياسة الحمائيةو المقاطعة تحت حجج الامن القومي الامريكي وحماية الاقتصاد القومي. ومن المستبعد أن يكون ترامب يسعى الى توقيع اتفاق تجاري جديد مع الصين، وهذا ما يوصل العلاقات بين البلدين الى طريق مسدود. فالصعود الصيني كما يروى عنه في السياسة الامريكية يمثل تهديا وخطرا على الغربو أمريكا.
في ترقب ما يرجي في العالم المترامي الاطراف ، ثمة انسحاب لتغييرات جيوسياسية جيدة تنقلب على الهمينة المطلقة لامريكاو المركزية الغربية. فالعالم قد عرف أكثر من ثلاثين عاما سيطرة مطلقة لواشنطن.و بالمعنى الفكريو الثقافي فان ازمة هواوي تعني تفكيكا للاجماع، وبداية لظهور شقوق في النظام العالمي،و هي مرحلة بلاشك تعني انتعاشا لفكرو سجالا سياسيا يحمل أطروحات جديدة تتجاوز ما هو بديهيو غير صالح للتفسيرو الاستهلاك الفكري، وما يعني تحديا ان العالم قد يتغير. 
الصين محصنةو قوية، وما تريد الادارة الامريكية من الذهاب اليه باجبار الصينيين على املاءات واشنطن، ولتضع الصين كما تشاء في النظام العالمي، لا تأخذ بزمام الامور بنفسها. يبدو أن بكين لن تمرره. وهذا ما حصل مع اليابان في أواخر الثمانينات عندما فرضت واشنطن على طوكيو أن ترفع قيمة العملة،و تخرب اقتصاده في سد الفجوة في الميزان التجاري بينهما. ولربما ما ترمي اليه واشنطن مع بكين لن يتحقق في طريقة مفاوضاتو إملاءات على الطريقة الامريكية. 
ما يجري في أقصى المشرق، ليس بعيدا عن الجغرافيا العربية. ولربما أن أي عربي يقف وسط الدوامات لا يقدر التفكير ببساطة تجاه العالم،و سقوط امبراطوريات، وولادة قوى عالمية جديدة،و كيف تحررت بلدان من القبضة الامريكية وخاصة من التبعية الاقتصادية ؟و بالطبع فإن إعادة تدوير التوازنات الدولية، والانقلابات قد تفضي الى تبدلات في المصالح العربية،و لو وسع العرب من مداركهم الاستراتيجية بما يضمن حماية المصالحو الانفكاك من تبعيات،و الاقتراب من محاور تحمي المصالحو السيادة الوطنية.

الدستور - الاثنين 10 حزيران / يونيو 2019.



مواضيع ساخنة اخرى