المدن والإنسان والهوية

تم نشره الجمعة 05 تمّوز / يوليو 2019 12:27 صباحاً
المدن والإنسان والهوية
د. صبري ربيحات

الحب والكراھیة والفقر والغنى وحتى المواطنة مفاھیم نتداولھا ونتبادل الحدیث عنھا بالرغم انھا مجردة ولا معنى لھا الا في عقول الافراد وتجاربھم المشتركة. صور المواطنة تتولد من تجاربنا الشخصیة اثناء التنشئة والتفاعل مع المحیط والعالم. في حالات كثیرة یحتدم الجدل بین الافراد حول قضیة من القضایا لمستویات تفضي إلى الصراع دون ان یغیر اي منھم موقفھ. الجدل الدائر بین الاشخاص حول قضایا المجتمع منطقي وحقیقي ومشروع فكل یعبر عن رؤیتھ للظاھرة والواقع من الزاویة التي یراھا محكوما بالتجربة الفردیة لھ سواء كانت معاشة ام متخیلة. عند سماعنا لأشخاص یتحدثون في قضیة تعنینا فإننا ننحاز لأولئك الذین یتحدثون عن القضیة بلغة تحاكي تجاربنا وخبراتنا اكثر من اولئك الذین یصفونھا ویقدمونھا بأثواب لا نعرفھا. في السیاسة والاقتصاد والفن والعلاقات وطبائع البشر لیس من حق اي منا انكار مشاعر الناس ومحاولة ثنیھم عن كیفیة شعورھم تجاه الاشیاء بالحجج والحكایات فقط. التغییر في المواقف والاتجاھات یحتاج إلى خبرات جدیدة اكثر من الحاجة إلى الحجج والدفوعات. فالخبرات السابقة لا تمحى ولا تتبدل بمجرد انكارھا او ادانتھا لكنھا تتبدل حین یكتشف الافراد صورا بدیلة ومشاعر اخرى. في جلسات الحوار والاحادیث الجانبیة وحتى في ادبیات الاحزاب وجماعات العمل المختلفة تجد الاردنیین على خلاف في تقییمھم لأوضاعھم ومدى الرضا عنھا. البعض یرى اننا بألف خیر ولدیھ الاستعداد لتقدیم الشواھد على اننا نعیش في مجتمع یوفر الامن ویراعي الحریة والاحتیاجات ویحقق التكافل. ھذه الفئة تجدھا في الاحتفالات والمناسبات العامة تتملكھم مشاعر الاعتزاز والزھو فیتحدثون عن القیسوم والزعتر والشموخ والعز والتفوق والكرم والطیبة والسماحة الاردنیة ویدندنون بین وقت وآخر كلمات الاغنیة التي تقول ”لفینا العالم لفینا، مثل بلدنا ما لقینا“ غالبیة من یتبنون ھذه المواقف ینتمون لطبقة النفوذ السیاسي والامني والعشائري والتجاري اضافة إلى من تطوعوا لتقدیم خدمات والقیام بالادوار التي تخدم برامج الادارات المحلیة. على الجانب الآخر یقع الكثیر من الشباب ممن تقطعت بھم سبل الحیاة وفقدوا فرص التعلیم والعمل والزواج بعد ان تعطلوا عن العمل وشھدوا حالات التمییز والتفاوت وملوا خطابات الساسة ووعود الحكومات فأصبح یتملكھم الخوف و الضجر یتطلعون إلى الھجرة والابتعاد عن كل ما یربطھم في المجتمع وتشكیلاتھ.

ین ھاتین الفئتین برزت في السنوات الاخیرة قوى شبابیة ومجتمعیة تطالب باصلاحات سیاسیة واقتصادیة واداریة باسالیب وادوات سلمیة. الكثیر من اعضاء ھذه القوى تراجع عن المطالب او غیر من مواقفھ لاسباب ذاتیة وموضوعیة متعددة. بالرغم من تبدل الاشخاص وتغییر البعض لمواقفھ الا ان العناوین والاسئلة والشعارات ما تزال قائمة مع اختلاف تركیبة القوى التي ترفعھا او تنادي بھا. في الفضاء المشبع بالجدل السیاسي والھموم الاقتصادیة یحتاج مجتمعنا إلى اطلاق قوى الابداع وروح الاحتفال بالحیاة فالمدن بحاجة إلى ان تصبح اكثر جمالا لتعبر عن ھویة ساكنیھا فتنشر التعبیرات عن تاریخھا وانسانیتھا وقیمھا الجمالیة والانسان الذي صنع روحھا ومجدھا. التشكیلات البصریة المجسدة لھویة المكان تذكر السائح والمقیم بنشاط السكان الزراعي ومیزة المنطقة النسبیة وتولد الكثیر من الاعتزاز في نفوس الساكنین المتعبة والضائعة. من المھم العنایة بكل ما قد یسھم في بناء الروح المعنویة الدافعة للعمل والانجاز فلا ضیر من بناء او نحت مجسم ضخم للبندورة على مداخل الاغوار وشجرة زیتون عملاقة على بوابة الطفیلة ودوار من الرمان عند مدخل الریان. استبدال الخبز والقمح والخیل بمراوح تولید طاقة الریاح حدث یبعث على التأمل والیأس خصوصا وانت ترى غیاب اثر التحدیث على واقع الاھالي الاقتصادي وفي غیاب دراسة الاثر البیئي لھذه الاجسام المعدنیة العملاقة التي ینتصب كل واحد منھا على مئات الاطنان من الھیاكل الخرسانیة. في الوقت الذي تتسلل الشراكات والانساق الثنائیة الاستراتیجیة وغیر الاستراتیجیة لتحاصر المدن والحقول والمراعي بمزارع حصاد الریح التي اصبحت ابرز مظاھر المكان یتساءل الناس عن مدى تاثیر انتشارھا على اسعار الكھرباء وجودة المراعي وصحة الانسان فلا یجدون اجابة. تجریف الوجدان الاردني من بقایا مكونات الھویة یأتي من التوسع في زراعة قواعد الاسمنت في اكثر الاراضي الزراعیة جودة وخصوبة وطغیان التشكیلات البصریة الحادة على جمالیات المكان الذي حرم لسنوات طویلة من التنمیة والتطویر لیصبح میدانا خصبا لسباق التوربیدات الھوائیة. في لقاء غیر رسمي مع بعض كوادر الطفیلة التقنیة تمنیت على اساتذة الجامعة العمل على اجراء دراسة تفصیلیة لأثر التوسع في استخدام مزارع حصاد الریح على البیئة والارض والانسان وتدریس ذلك للطلبة والأساتذة والسكان.

الغد - الخميس 4-7-2019