ذهنية لا بد من اسقاطها

المدينة نيوز - إذا كان قدرنا كعرب أن نهاجر من ديكتاتورية إلى أخرى، فإن أي كلام في هذا الشجن التاريخي يصبح عديم الجدوى وبلا معنى.
فمن كانوا يحتكرون السلطة والعصمة والصواب وفروا اسبابا كافية للانقلاب عليهم، وكان لكل قيصر منهم بروتوس الذي يعيّره، ويقول له حتى انت يا ....
لكن اذا انتقل الفيروس ذاته وتأقلم بمهارة مع المتغير فان المتوالية تصبح كوميدية بامتياز، وعلى كل ثائر ان يهيئ نفسه لمن يثور عليه ولو بعد حين.
قلناها مرارا ونكررها بلا سأم.. ان الضحية التي تتلمذ على جلادها هي مشروع جلاد جديد يتفوق على من سبقه، والضحية النبيلة والبليغة هي تلك التي تتمرد على قيم جلاديها وتعاقبهم بعدم تكرار افعالهم وكل ما اقترفوا بحقها، وهناك مسرحية شهيرة لالبير كامو بعنوان (العادلون) تنبه الناس بمستوى عبقري من الوعي الى هذا الخطر، بحيث لا يلد القيصر قيصرا والديكتاتور ابنا نجيبا، فاذا كان المقصود بالتغيير تداول السلطة بالسلاح وليس سلميا وعن طريق الديمقراطية، فان من يظفرون بها ولو الى حين يقدمون تشريعا صريحا للاخرين كي ينقضوا عليهم بالطريقة ذاتها، والارجح ان هذه المتوالية لم تنقطع بعد لاسباب من صميم الثقافة السائدة ومن صلب الحليب التربوي بشقيه المدون والشفوي وان كان الشفوي هو الاخطر لانه يحرض علانية على الانتهازية والفهلوة وتقبيل الكلاب من الفم وتحمل لعابها من اجل قضاء الحاجة منها.
ونذكر للمثال فقط ان عدد من شكوا من ثورات بعينها كان في بعض الاحيان اضعاف من شكوا من النظم الاستبدادية التي ادت اليها، فهل آن الاوان لوضع نقطة ولو من دم في اخر هذا السطر؟
بحيث يجرب العرب اي عقد اجتماعي ولو كان من طراز الماغناكرتا او عقد روسو كي يعرفوا بالضبط ما لهم وما عليهم ولكي يتحولوا من رعايا الى مواطنين؟
فالقماش الابيض الذي يفصل منه ثوب الزفاف يفصل منه ايضا الكفن أو راية الاستسلام، وهذا هو بالضبط شأن الثقافة السائدة عندما تكون موزعة بين القاهر والمقهور بالتساوي، ولو كان بيدي ان أوزع مليون نسخة من كتاب د. مصطفى حجازي عن سايكولوجيا المقهورين لفعلت لأنه يقول ما نقوى على قوله خشية من تأويل يصل حد التقويل!
وسيبقى سقوط الاشخاص وحتى الانظمة بمعناها الضيق الذي يستخدم الآن عديم الجدوى اذا استمرت المفاهيم ذاتها وجاء شهاب الدين اسوأ من أخيه وبدلت الرمضاء بالنار أو العكس..
والذهنية التي أدمنت ادعاء المعصومية واحتكار الحق والصواب والعدل يجب ان تسقط قبل سقوط رموزها ومن يجسدونها، لأنهم مجرد قطفة من مواسمها المتكررة أو طبعة من طبعاتها المتعاقبة.
اما اذا كان ما يحدث لنا أقرب الى القضاء والقدر ولا حول لنا فيه أو قوة فان آلاف المجلدات تصبح مجرد أسفار على ظهر حمار!! (الدستور)