هل تقدم إسرائيل على تهويد أغيار في العالم لاستقدامهم كمستوطنين إلى فلسطين؟

تم نشره الخميس 10 شباط / فبراير 2022 03:35 مساءً
هل تقدم إسرائيل على تهويد أغيار في العالم لاستقدامهم كمستوطنين إلى فلسطين؟

المدينة نيوز :- ازدادت الهواجس الديموغرافية الإسرائيلية لحد الهوس في السنوات الأخيرة كما يتجلى في مشاريع قوانين تؤكد كل مرة من جديد على يهودية إسرائيل كقانون القومية وقانون منع لم الشمل للعائلات الفلسطينية وعلى هذه الخلفية شرعت للمرة الأولى في تعداد يهود العالم.

وقد اتخذ جهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي، في نهاية يناير/ كانون الثاني 2022، قرارا دراماتيكيا يقضي بأن يبدأ باحتساب عدد يهود العالم بشكل رسمي. حتى الآن، كانت الدولة ومؤسساتها الرسمية، مثل جهاز الإحصاء المركزي الذي يتبع مباشرة إلى مكتب رئيس الحكومة، ينأون بأنفسهم عن هذه المهمة والتي تعتبر إشكالية ومثيرة للجدل.

جهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي يشرع بتعداد يهود العالم

ويرى المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن لا السبب يكمن في مجرد كون جهاز الإحصاء المركزي لا يمتلك الأدوات والتقنيات لإجراء مسوح أو تعداد سكاني في دول أخرى، بل أيضا في كون تعداد يهود العالم ينطوي على إشكاليات دينية وسياسية تتمحور حول “من هو اليهودي” ومن يحق له الهجرة إلى البلاد كمستوطن جديد.

وحاليا، لا توجد معايير متفق عليها حول عدد يهود العالم والذين حسب تصنيفات معينة قد يصل عددهم إلى حوالي 15.2 مليون لكن حسب تصنيفات أخرى قد يصل عددهم إلى حوالي 25.3 مليون شخص، ثم حسب تصنيفات أخرى قد يصل عددهم إلى حوالي 60 مليوناً.

ويشير تقرير “مدار” إلى أن مسألة تعداد يهود العالم تنطوي على خلافات عقائدية، ولها انعكاسات ديموغرافية هامة تتعلق بحجم وطبيعة “مخزون” المستوطنين المحتملين الذين تسعى إسرائيل والوكالة اليهودية لاستقدامهم خلال الأعوام القادمة. وبالتالي لا يمكن إغفال التداعيات التي قد تنشأ مستقبلا من قرار جهاز الإحصاء على قضية “من هو اليهودي” ومن هو الذي يحق له الهجرة إلى البلاد.

وخلال الأعوام الـ15 السابقة، كان جهاز الإحصاء المركزي ينشر بيانات حول عدد يهود العالم مستندا إلى العمل الذي يقوم به البروفيسور سيرجيو ديلا بيرجولا، وهو أستاذ في معهد “اليهودية المعاصرة” في الجامعة العبرية في القدس المحتلة. وديلا بيرجولا الذي يعتبر الخبير الأول بالشؤون الديموغرافيا ينشر تقريراً سنوياً بناءً على معلومات من معاهد البحوث والمكاتب الإحصائية والمجموعات اليهودية في بلدان مختلفة.

بيد أن ديلا بيرجولا يعتزم التوقف تدريجياً عن إصدار هذه التقارير السنوية، وبالتالي أعلن جهاز الإحصاء المركزي نيته نقل كل منهجيات وأدوات هذا البروفيسور إلى مكاتب الجهاز حتى يستمر في إصدار هذه التقارير الهامة على أن تكتمل عملية النقل في العام 2024.

في المقابل، قال الخبير الديمغرافي الدكتور إلياهو بن موشيه إن قرار جهاز الإحصاء الإسرائيلي “غير عادي بتاتا” وأنه من المشكوك فيه ما إذا كان يمكن الحصول على بيانات موثوقة بسبب عدم وضوح المعايير التي قد تستند إليها أي جهة لاحتساب عدد اليهود في العالم. كما أعرب الدكتور يتسهار هيس، نائب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، عن قلقه إزاء التأثير المحتمل لمكتب رئيس الحكومة على التعداد الديموغرافي لنطاق الشعب اليهودي، في حال أوكل الأمر إلى جهاز الإحصاء الذي يتلقى ميزانياته من مكتب رئيس الحكومة. هذه الانتقادات تشير، وربما بحق، إلى أن مسألة أعداد اليهود هي مسألة حيوية وقابلة للتوظيف السياسي.

من هو اليهودي؟

على خلاف دول الاستعمار الاستيطاني في العالم التي فتحت الباب للهجرات الجماعية دون وضع أي اعتبارات دينية، قومية أو إثنية صارمة؛ فإن إسرائيل حصرت عملية استقدام المهاجرين في “يهود العالم”، وهو ما ورد في النسخة الأولية لـ”قانون العودة” الإسرائيلي للعام 1950، إذ يحقّ لأي يهودي في العالم الهجرة إلى إسرائيل، وبشكل تلقائي يصبح مواطناً إسرائيليا كامل الحقوق. وعلى الرغم من أن القانون حصر هجرة المستوطنين الجدد إلى إسرائيل في كتلة يهود العالم، إلا أنه لم يحدّد فعلياً “من هو اليهودي”.

في أواخر ستينيات القرن الماضي، أثارت “قضية الأخ دانيال” جدلاً داخل إسرائيل عندما رفضت المحكمة العليا الاعتراف بيهودية المواطن الإسرائيلي شموئيل أوسوالد روفايزين، رغم أنه ولِدَ لأبوين يهوديين وكان أحد ناجيي “المحرقة”، ويعود الرفض إلى أنه كان قد غير ديانته في وقتٍ سابق وتحوّل إلى راهب. في أعقاب هذه القضية، وتحديداً في العام 1970، أُجري تعديل على “قانون العودة” لينص على أن اليهودي هو “من يولد لأم يهودية أو يتهود وهو لا ينتمي لديانة أخرى”.

من هنا، حصل اختلاف ما بين “من هو يهودي” حسب الشرعية اليهودية الأرثوذكسية المتبعة في إسرائيل والمسيطر عليها من قبل اليهود المتزمتين (الحريديم) وبين من هو الذي يحق له الهجرة إلى البلاد كمستوطن جديد حسب قانون العودة. ويقول إن النقاش الإسرائيلي الدائر حول “من هو اليهودي” لا يجب أن يُفهم على أنه نقاش ديني حول تفسيرات متعلّقة بالشريعة اليهودية فحسب؛ بل يحمل بعداً آخر يرتبط بـ”المخزون” الاحتياطي العالمي الذي تستطيع إسرائيل من خلاله، كـ”دولة يهودية” أن تستقدم منه مهاجرين جددا.

تقييد عدد المهاجرين

ويستذكر أنه في العام 2018 عيّن نفتالي بينيت، الذي كان يشغل منصب وزير الشتات في حكومة بنيامين نتنياهو، لجنة تحت اسم “اللجنة الاستشارية الحكومية لفحص علاقة إسرائيل مع جماهير العالم التي تربطها علاقات مع الشعب اليهودي”. وقد نشرت اللجنة تقريرها وتوصيتها في بداية العام 2021، وانتقد التقرير قانون العودة الإسرائيلي ووصفه بالصارم وبأنه يسلب حقّ الهجرة إلى إسرائيل من العديد من الأشخاص الذين لا يندرجون ضمن تعريف اليهودي المنصوص عليه في القانون (مثلاً، فتى يهودي ولد لوالدين نصرانيين). وعليه؛ اقترح التقرير النظر إلى مستقبل إسرائيل من خلال توسيع دائرة يهود العالم بما يتجاوز الفهم الضيق لليهودية، وهو فهم حصر يهود العالم في حوالي 15.2 مليون شخص.

ويرجح التقرير أن هناك أسباب سياسية من وراء تشكيل هذه اللجنة ففي حقيقة الأمر، بعد الانتهاء من استيعاب قرابة مليون مستوطن جديد من دول الاتحاد السوفييتي السابق في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أصبح من الصعب جدا القيام بحملات استيعاب كبرى لمستوطنين جدد.

وخلال العقدين الأخيرين، يتراوح عدد المستوطنين الجدد الذين يتم استقدامهم سنويا ما بين 10 إلى 30 ألفاً فقط، وهذه نسب صغيرة قد لا تحقق طموح إسرائيل في الوصول إلى تفوق ديموغرافي لليهود ما بين النهر والبحر في ظل حالة التعادل السكاني بين اليهود والعرب في فلسطين التاريخية.

وينوه أنه داخل حدود إسرائيل، شكّل اليهود ما نسبته 73.9% من السكان مع بداية العام 2021 أما في كل البلاد فتُشكّل نسبة اليهود حوالي 57.5% فقط، فيما يُشكّل العرب حوالي 38.5% من ضمنهم 1.956.000 في إسرائيل وحوالي 2.648.000 في الضفة الغربية عدا عن عدد مماثل في القطاع. وعليه، وفي حال استمرت إسرائيل بالسيطرة على الضفة الغربية، فإنها ستحتاج لضخ المزيد من المستوطنين للسكن في المناطق المحتلة وفي مناطق “ج” تحديداً.

تهويد الأغيار

وقد خلص التقرير الذي أشرفت عليه لجنة بينيت منذ العام 2018 إلى أمر مفاجئ وغير متوقع: على العكس من تقارير ديلا بيرجولا أو الوكالة اليهودية، والتي لطالما بينت أن عدد يهود العالم يصل إلى 15.2 مليون فقط، فإن اللجنة التي أشرف عليها بينيت ادعت أن توسيع مفهوم “من هو اليهودي” هو أمر ممكن، وأن هناك قرابة 60 مليون شخص حول العالم يمكن اعتبارهم مقرّبين جداً من اليهودية، أو على علاقة ما بالدين اليهودي.

ومن بين الـ60 مليونا، هناك نسبة كبيرة معنية بالقدوم إلى إسرائيل، ويمكن تهويدها ومنحها ليس فقط المواطنة الإسرائيلية؛ وإنما أيضاً شهادة “تحويل إلى اليهودية”. ولذا ربما يكون من إحدى مهمات جهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي في السنوات القادمة هو توسيع إطار من هو اليهودي ليشمل فئات جديدة من المستوطنين المحتملين تتجاوز الـ15.2 مليون الحاليين.

تخفيف صلاحيات الحاخامية المركزية

في هذا السياق، طرح وزير الأديان الإسرائيلي متان كهانا (حزب “يمينا” الصهيوني الديني) مشروع قانون جديد يهدف إلى إدخال تعديلات على عميلة التهويد وذلك بهدف توزيع صلاحيات وعملية التهويد من مؤسسة الحاخامية الرئيسية (والتي تحتكر العملية ويهيمن بداخلها حاخامات الطائفة الأرثوذكسية المتزمتين- الحريديم) على طيف واسع من مجالس الحاخامات المنتشرة على مستوى المدن والبلدات في إسرائيل.

ولأن عملية التهويد تعتبر عملية معقدة ومرهقة، فإن مشروع القانون الذي طرحه كهانا سيقلل من صلاحيات الحريديم وكان سيدفع باتجاه جعل عملية التهويد أكثر مرونة من خلال منح صلاحيات لحاخامات من خارج الجماعات الحريدية، مثل حاخامات الصهيونية الدينية. بيد أن مشروع التعديل كان قد أثار خلافات داخلية في إسرائيل في تشرين الثاني 2021، الأمر الذي دفع كل الأطراف إلى تأجيل البت فيه إلى موعد غير معلوم.

ويقول “مدار” إن شروع جهاز الإحصاء المركزي بتعداد يهود العالم لا بد أن يفهم في هذا السياق أيضا فقضية عدد يهود العالم لا تعتبر مجرد تعداد بسيط للجماعات اليهودية التي تدعي إسرائيل بأنها تمثلهم: أي اليهود بل إن الأمر قد يكون متعلقاً أيضا باحتياطي المستوطنين الجدد، وهو احتياطي بدأ ينضب في السنوات الأخيرة نتيجة استنفاد إسرائيل والوكالة اليهودية ووزارة الاستيعاب لكل الإمكانيات في استقدام موجات كبرى من المستوطنين الجدد.

هل تتنفس إسرائيل الصعداء

وفي حال كان مفهوم “من هو اليهودي” شأنا حكوميا، فإن جهاز الإحصاء المركزي الذي يتلقى ميزانياته من مكتب رئيس الحكومة، سيكون قادرا تدريجيا على إحداث تعديلات مفاهيمية لتوسيع احتياطي المستوطنين الجدد في العالم الأمر الذي سيمكن إسرائيل من تنفس الصعداء في كل ما يتعلق بالمعضلة الديموغرافية ما بين النهر والبحر. ومع ذلك يرجح التقرير أنه من غير المتوقع أن تمر هذه التعديلات، في حال شرع جهاز الإحصاء القيام بها، بهدوء، إذ إنها قد تثير خلافات حقيقية ما بين التيارات المتدينة التي تصبو إلى فهم ضيق لمفهوم اليهودي وما بين احتياجات دولة استعمارية تحتاج إلى الاستمرار في ضخ مستوطنين جدد إلى داخل أراضيها.

القدس العربي 



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات