الفساد الآخر

- لأن العرب صدقوا بأن الانسان يعيش بالعلف وحده، وان اليوم الاسود لا ينفع معه غير القرش الابيض. فقد حصروا الفساد كله في دائرة واحدة هي الاقتصاد.. ففي مصر كانت النتائج الكارثية للفساد السياسي اولاً لكن الكلام كله منصرف الى الارقام فقط، فنحن لا نسمع شيئاً عن الفساد الطبي والفساد الاعلامي والثقافي، والفساد التربوي والبيئي، لأن هذه الانماط من الفساد لا علاقة لها بما نعتقد انه سرق من جيوبنا، ولو شئنا التفصيل في هذه الانماط المسكوت عنها من الفساد لاصبحت الاموال المسروقة مجرد شيء عابر ازاء العافية المسروقة.. والذكاء المهان والكفاءات التي تعاقب على ما اقترفت من مبادرات او ابداعات.
أليست هذه الثقافة التربوية التي تختزلها مئات الامثال والمواعظ التي افرزها التخلف وغذتها الانانية ورعاها الجهل هي جذر من جذور الفساد؟ فنحن نربي اطفالنا على الثالوث اللعين، واضلاعه هي الانتهازية والمشي بمحاذاة الجدران وتحبل ولو من جحش؟ ومن اخترعوا المقولة الخرقاء ابدأ من الآخر هم اعداء البحث عن جذور واسباب الظواهر، فالمهم ان تكون ثرياً أو ذا مكانة حتى لو كان الطريق معبداً بالاقدام التي تقبلها.
والفساد الثقافي ليس أموالاً مسروقة أو كسباً غير مشروع، انه في الصميم من أطروحات بائسة تتعامل مع الانسان المعاصر كما لو انه مجرد نسخة طبق الاصل من انسان القرن الخامس عشر او السادس عشر، والمثقف تبعاً لهذه المعايير هو من أضاع في الاوهام عمره، وهو مُمل وكئيب. وعليه لكي يكون عكس ذلك ان يخلع وعيه وذاكرته كالحذاء أو الثياب الداخلية وان يشارك في هذه الحفلة التنكرية التي تصهل فيها الضباع وتغرد فيها الغربان وتستعرض الافعى ساقيها والسلحفاة جناحيها.
الفساد الآخر المسكوت عنه هو جذر الداء ان كان هناك بيت لهذا الداء في المال او التجاوزات الوظيفية، وهو ما عبر عنه السيد المسيح عندما سأل الانسان بماذا سوف يملح اذا فسد الملح؟ والملح الذي تسرب اليه الفساد هو الضمير اولا والثقافة ثانياً وكل ما له صلة بالثقة المعدومة.
فالشائع الآن هو ان لقمتك في فم غيرك، وكأن ملايين الايدي مشتبكة حول رغيف واحد ووظيفة واحدة وغرفة واحدة.
ان للفساد امبراطوية مترامية الاطراف وله اقارب فقراء يسيل لعابهم على موائده المسمومة، ولا ادري من هو الذي علمنا ان السرقة لا تكون الا للمال، فثمة كرامات مسروقة، وكبرياء مستباح وذكاء مطالب بالاعتذار من الغباء.
لكن الفقر المقيم والجهل المزمن والاستهلاك المحموم اختصرت لنا الفساد كله بالمال فقط، ومن قالوا من تعرف ديته اقتله رضعوا حليباً غير بشري، لانهم سعروا الانسان كما تسعر الماعز، ووجدوا من يقبل ان يبيع حتى أباه أو أمه.
والعربي القتيل، وضحية الفساد الآخر الذي لا يحسب بالارقام بل بأعداد الموتى الذين لم يجدوا العلاج واعداد الاطفال الاذكياء الذين حرموا من التعليم والمثقفين الذين عفّوا عن الاشلاء.. ديته لا يكفيها ما في باطن هذا العالم العربي وعلى سطحه!!(الدستور)