أسعـد في البكــم

كانت البناية مكتظة، وهناك دشاديش كثيرة وربطات عنق كثيرة.. ومغلفات محشوة بالنقود.. انها دائرة (الطابو) او ما يطلق عليه في التسمية الحكومية ''أراضي شمال عمان''.
جلست بجانب سيدة في بداية الأربعين يبدو انهم احضروها للتنازل عن ''وطاة''.. وكانت مرتبكة قليلا فإجراءات التنازل تأخذ وقتا على ما يبدو، وتوقيعها مهم جدا.
هي لم تكن مشغولة بالإجراءات كانت مشغولة (بأسعد) وهو ابنها البكر وقد تركوه في (البكم).. لهذا كانت تهمس في اذن الرجل الذي يجلس بجانبها كل لحظة: ''اسعد في البكم''.... وكانت تنطلق منه تطمينات تؤكد ان اسعد بخير.. يبدو ان هذا الرجل هو شقيقها.
السيدة مغلوب على امرها، ويبدو انهم احضروها على عجل خوفا من تغيير رأيها.. كانت ترتدي عباءة سوداء وعلى اطرافها على الاكمام بالتحديد ما يدل على بقايا طبيخ اظنه (شوربة عدس) وكانت تضم الساقين كي تخفي حذاءها.. فقد لاحظت ملامح الاهتراء عليه، وكانت تمد يدها من أسفل الاشار لحك الأذن.. ويبدو انها ولشدة الخجل والازدحام الشديد تنهدت تنهيدة قوية (فانفرطت) العباءة من أسفل الإبط، هي لم تلحظ ذلك ولكني لاحظته.. وكل ما كانت تنطق به ''شوفلي اسعد بعدو في البكم''.
كان الشقيق الأكبر يخرج ثم يعود ويقول لها: ''آه بالبكم اشتريتلوا شراب وقاعد بشرب''.
للعلم ثمة بقايا لسن ذهب في فكها، وعلى يديها حناء قديم وعلى ما يبدو ونتيجة لقلة مجيئها لعمان لم ترفع عيونها من الأرض.. ولكنها كانت تشد (جاكيت) شقيقها الأكبر كل لحظة وتسأله عن اسعد.. واسعد ما زال يلعب في البكم.
لحظات وطلبها كاتب العدل ثم قال لها امام اشقائها: اخت (...) قبضت ثمن الارض، صمتت قليلا واجاب الشقيق الاكبر: نعم قبضت.. وهي اثنت على كلامه.. وقبل ان تضع توقيعها على البيع قالت للشقيق الاكبر: اسعد في البكم شوفلي اياه.
بعد ذلك غادروا جميعهم، ويبدو انها تنازلت بالاكراه وبدت علامات الغضب عليها، وانا غادرت معهم لارى اسعد وتبين ان اسعد غير موجود في (البكم).
اسعد غادر للعب في مكان ما.. وتلقت تلك السيدة تطمينات من الاشقاء، وبعد دقائق معدودة تبين ان اسعد كان يلهو بجانب احدى (الحاويات).. المهم اسعد عاد الى البكم.
صورة مؤلمة لسيدة اجبرت على التنازل ولم يكن همها المال او الارض ولكن همها كان (اسعد) ابنها البكر.
انا واسعد مغلوب على امرنا فحين يتم التوقيع على اشياء كثيرة تكون في (البكم).
hadimajali@hotmail.com