قصة وجودنا

تم نشره الأحد 30 حزيران / يونيو 2019 12:39 صباحاً
قصة وجودنا
د. صبري الربيحات

الجھود الكبیرة التي یبذلھا العلماء وأساتذة الآثار والانثروبولوجیا والتربیة الوطنیة لم تفلح في بناء قصة مشتركة مقبولة لعلاقة الإنسان بالمكان وبروز الھویة الجامعة. الكثیر من الناس یمعنون في الحدیث عن الاصول والارتباطات والعلاقات الواقعة خارج الحدود باعتبارھا میزة نسبیة. ما یعرفھ الأردنیون عن المكان وأھلھ لا یعدو شذرات متواضعة تم الوصول الیھا من خلال جھود البعثات والباحثین الاجانب. في ثقافتنا الشعبیة والوطنیة ما یزال حجم المعروف عن تاریخ المكان واھلھ الاوائل محدودا للغایة. فإلى جانب كتب المستشرقین والرحالة والوثائق العثمانیة شكلت بعض الاشعار والروایات الشفویة المصادر الرئیسیة لما نعرفھ عن أرض وإنسان الأردن في القرون السابقة. ضحالة المعرفة حول المكان لھا اسباب ومبررات. ففي مرات عدیدة یعزو اساتذة التاریخ والآثار ذلك لغموض التاریخ واھمال الحضارة الاسلامیة لما سبقھا او معاداتھا لھا. فتاریخ الانباط والأدومیین والمؤابیین والغساسنة غیر معروف بدقة. حتى التاریخ الحدیث للقبائل الأردنیة ورجالاتھا التي اسھمت في ادامة الاستقرار وحمایة الأرض والحفاظ على الھویة بقي بعیدا عن اھتمامات الباحثین والمؤرخین. الكثبر من آثارنا النادرة تسربت إلى متاحف اوروبیة وعالمیة فقد نقلت مسلة میشع إلى متحف اللوفر ونُقلت آثار نبطیة ورومانیة إلى متاحف اوروبیة وخلیجیة. في حالات كثیرة یجري تجاھل الرواد والمبدعین ممن تركوا بصمات واضحة على حقب مھمة من تاریخ المكان لأسباب ودوافع غیر معروفة. منذ ایام ھاتفني احد الاعلامیین العاملین على انتاج البرامج الوثائقیة المعنیة بالعلاقة بین الأرض والانسان یدعوني للمشاركة في مشروع اعلامي یتناول حكایات بعض الاماكن الأردنیة. في الحدیث المطول الذي دار بیننا استعرضنا اھمیة الجغرافیا الأردنیة للحضارات التي نشأت في قمم التلال المطلة على حفرة الانھدام، فالادومویون والعمانیون والمؤابیون والغساسنة والانباط

اضافة إلى الرومان والاغریق والبیزنطیین اقاموا كیاناتھم على تلال وداخل تجویفات الجبال الملونة المشرفة على حفرة الانھدام من الناحیة الشرقیة. ما تزال بصیرا وذیبان ومادبا والبتراء وعمان وام قیس وجرش وعشرات المدن والبلدات والمواقع الاردنیة شواھد على غنى وحیویة المكان الذي جاءت على ذكره الادیان والرسالات السماویة وكشفت الحفریات غنى وتنوع انجازاتھ واسھاماتھ. قبل ان یستوطن الانسان الكثیر من بقاع الأرض الاكثر جاذبیة وخصوبة كانت بلادنا منشأ للكثیر من الافكار والمعتقدات والانجازات التي ساعدت الانسان على البقاء ومكنت الجماعات من تجاوز الكوارث والمحن والازمات التي كادت ان تنھي الوجود البشري فعلى أرض الأردن بدأت صناعة الخبز وعرف القمح ونسجت الحكایات وصیغت المبادئ التي اكسبت الانسان القیم واسھمت في تھذیب الغرائز والحد من نوازع الشر والعدوان. الدیانات التوحیدیة والرسل واللغة والقصص والاساطیر التي منحت البشریة معنى للوجود ومكنت الناس من العمل معا بعد ان وحدت افكارھم ومشاعرھم وتصرفاتھم لتكتسب القدسیة التي دفعت بالبشریة إلى التدافع على زیاراتھا والتبرك بمائھا ومعابدھا وعبق تاریخھا. في قاعات المتحف الذي اقیم على جبل نیبو المطل على فلسطین والاغوار وبجوار كنیسة صیاغة التي ارتبطت بروایات وارث روحي یمكن للزائر المرور على مسیرة البشریة التي وصفتھا الكتب السماویة والروایات التاریخیة في اقل من ساعتین. متحف الحكایة او ”لاستوریا“ الذي یجسد مسیرة الانسان الشرقي على الأرض یشتمل على مجسمات وتشكیلات بصریة تحاكي الحقب الزمنیة والاحداث المھمة في التاریخ البشري. الجولة القصیرة تمكن الزائر من تتبع مسیرة الانسان على الأرض ومشاھدة مجسمات وتشكیلات بصریة تروي تفاعل الامم والشعوب مع المعتقدات والافكار والادیان التي جاء بھا الانبیاء عبر مسیرة البشریة الطویلة. فبل ان تنقل المشاھد إلى تاریخ الدولة الاردنیة الحدیثة وطبیعة الحیاة السیاسیة الاقتصادیة الاجتماعیة في القرن الاخیر من عمر الأردن. الاھتمام العربي بالحكایة والمكان ما یزال ضعیفا ومحدودا بالرغم من تكرار الدعوات إلى تطویر ھذا الاھتمام باعتباره وسیلة مھمة في بناء الھویة والانتماء. المفارقة العجیبة ان اعداء امتنا یولون المكان وحكایتھ اھمیة بالغة فقد خلقوا وصنعوا وزوروا لكل بقعة أرض أو تلة أو مبنى من الاراضي التي احتلوھا حكایة سوقوھا على ابنائھم وعلى العالم في حین اننا تناسینا كل ما في المكان وبعنا ذاكرتھ او مسحناھا لنصبح أمة بلا تاریخ نقیم على أرض لا نعرف حكایتھا.

الغد- السبت 29-6-2019



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات