هل انتهى الكابوس؟

تم نشره الإثنين 29 تمّوز / يوليو 2019 12:39 صباحاً
هل انتهى الكابوس؟
د. صبري الربيحات

امتحان الثانوية العامة كان كابوسا يهدد كل شاب وشابة وينال من نوعية حياة الاسر ومكانتها وعلاقتها بمحيطها. النجاح كان يعني الكثير للطالب والاسرة والمجتمع المحلي وهو بداية النجاح المهني والاساس الذي سيقام عليه بناء المستقبل المهني للشباب.
ما إن يرقى الطالب الى الثالث الثانوي حتى تدخل الاسر والطلبة بحالة من الطوارئ ويصبح الطالب محور اهتمام الاسر وحامل رغبات وطموحات وتوقعات افرادها. على الطالب أن ينجز انجازا استثنائيا ليرضي طموحات الاب ويحقق احلام الام ويرفع من مكانة الاسرة والنظرة الاجتماعية لها فالأبناء الناجحون مصدر فخر الآباء ومشاريع للنهوض بالاسرة واوضاعها وضمانة للأهل ضد العجز والفقر ويمكن ان يكمل التعليم فيصبح طبيبا ناجحا او مهندسا ثريا ويمكن ان يتخذ مسارا آخر فيصبح ضابطا او موظفا متعلما.
في العقود الاخيرة تغيرت الكثير من اتجاهات التعليم وأثارت أوضاعه الكثير من الاسئلة والشكوك والاجتهادات. البعض يرى ان التعليم قد انحدر الى الهاوية بسبب ضعف دافعية الطلبة وانشغال المعلمين بمهن واعمال اخرى وعدم ملاءمة المناهج لحاجات الطلبة ومتطلبات السوق. آخرون رأوا ان ضعف الثقة في الدولة ومؤسساتها وتفشي الواسطة والمحسوبية والفساد شجعت الطلبة على الغش من اجل تحصيل معدلات عالية تمكنهم من دخول الجامعات.
محاولات اصلاح التعليم تتذبذب تبعا لاجتهادات متضاربة تتراوح بين التشدد المفرط الذي يضاهي النهج الاسبارطي بحيث تتدخل قوى الامن الناعمة وغير الناعمة والجهات الرقابية للدولة في ادارة الامتحانات ويأتي عرض النتائج لبيان واثبات كم التقصير الحاصل في المعارف والقدرات لتجري العودة عن هذا النهج لحساب تقديم تسهيلات بيئية وادارية ولوجستية مريحة للطلبة والاهالي.
ما بين النهج الاول والاسلوب الثاني تباين عميق وجدل ساخن دون توفر شواهد على مستويات تحسن التحصيل وتطور البيئة التعليمية وزيادة مستويات الثقة وانعكاسات كل ذلك على علاقة الطلبة بالمدرسة والمنهاج والجامعة والمجتمع. الوصول الى نتائج حاسمة حول الاسلوب الانسب والاكثر فعالية يحتاج الى مزيد من الوقت والكثير من الابحاث.
في حادثة هي الاولى من نوعها يحصل الطالب احمد يوسف عثمان على معدل 100 % في الامتحان الذي تقدم له اكثر من 130 الف طالب من اصل ما يزيد على 165 الف طالب. المعدل الذي حاز عليه الطالب اثار اعجاب البعض ودفع البعض للتندر او التساؤل حول الاسباب التي ادت الى ذلك.
تقاسم تسعة طلاب للموقع الثاني بحصول كل منهم على معدل 99.9 اثار فضول الباحثين والمراقبين والمعلقين ممن تساءلوا فيما اذا كانت الحالة تعكس تحسنا في مستوى التعليم او تساهلا في ادارة الامتحان. ودفع بالبعض الى ابداء المخاوف من امكانية تأثر سمعة التعليم المدرسي الذي طالما تغنينا بجودته وحاولنا حماية صورته.
ارضاء غرور الأهالي والسعي لدخول التخصصات المرغوبة في الجامعات كان وما يزال الدافع الاهم لنيل مجموع علامات مرتفع. في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان النجاح في الثانوية العامة كافيا ليصبح الخريج ضابطا او يدخل موظفا في القطاع العام.
حتى مطلع الستينيات لم يكن في الاردن جامعة فقد كان القليل من الخريجين يسافرون الى الشام او بغداد وبيروت للالتحاق بالجامعات في حين يتوجه البعض الآخر الى القاهرة و بعض الدول الاوروبية واميركا حيث التعليم ميسرا في حقول العلوم والاداب والطب والهندسة وغيرها من التخصصات التقنية.
اوائل الثانوية العامة يجري ايفادهم الى الجامعة الاميركية في بيروت والعديد من ابناء الاسر الفلسطينية المهاجرة تحصل على بعثات في جامعات الدول الاوروبية المتعاطفة مع قضية الشعب الفلسطيني ونضاله لتحرير اراضيه واقامة دولة مستقلة على الاراضي التي تم اغتصابها وطرد اهلها.
ابناء شيوخ العشائر والتجار والطلبة المتوفقون يختارون بلدانا وجامعات وتخصصات طبية وهندسية في اوروبا الشرقية واليونان واسبانيا ورومانيا وبوغسلافيا وبعض البلدان التي توفر تعليما مجانيا او بكلف معقولة ليعودوا للعمل في المؤسسات المتعطشة لعلمهم وخبراتهم.
اليوم يطمح الجميع في دخول الجامعات ومتابعة التعليم حتى نيل الدكتوراة. الاستمرار في هذا السعي دون تدخل واع من السلطات سيحرم البلاد من طاقة الابناء ويحول الموارد الى اعباء ويعمق الفجوة بين السوق ومخرجات التعليم.
من الواضح اننا بحاجة الى التخلص من كابوس الثانوية العامة ولكن بأسلوب يختلف قليلا عن المحاولات التي تجري للتحمية والتبريد.

الغد - الاحد 28-7-2019