أبو أربعة وأربعين!!

استكمل حزيران هذا العام نموّه ودورته التاريخية فبلغ الرابعة والأربعين، وبهذا أصبح لام اربعة واربعين زوجا يليق بها، وما ان تطرق شمسه السليطة ابوابنا حتى يبدو لنا ذلك النهار كما لو ان ظهيرته تمددت لتبتلع اعمارنا، وتغمر تقاويمنا، ولم يكن حزيران اول السطر في هذه الدراما القومية ذات الحلقات التي لا تنتهي، انه يلتئم بعد عقدين فقط وربما اقل مع هزيمة الجيوش السبعة يوم كان القرش الفلسطيني مثقوبا من منتصفه كما هي الذاكرة.
لم يبق جريح عربي سواء كان فنانا او عسكريا او حتى مجرد مواطن عادي الا وقرع الاجراس حتى كلّت يداه، وغاب عن فيروز والرحابنة مثلما غاب عنا جميعا ان تلك الاجراس كانت مقلوعة الالسنة النحاسية، وان النفخ كان في قرب مثقوبة، بحيث يضيع الزفير المترع بالاسى والعتاب سدى!
هل ابو اربعة واربعين هذه السنة والحال على غير ما كان عليه، ولو كان نزاز قباني حيا لغير اقواله، فحرب حزيران لم تنته وكأن شيئا لم يكن واحفاد المهزومين هم الذين يقرعون اجراسهم الآن، لكن الصمم تحول الى وباء قومي، تلقحنا ضد شلل الاطفال ولم يلقحونا ضد شلل الارادة، وخبأنا القرش الابيض لليوم الاسود ونسينا ان هذا القرش فقد قوته الشرائية تماما مثل دمنا الذي له تسعيرة تنافس ما تدنى من عملاتنا العربية المحلية ما دام اسير العدو يقابل كتيبة، وعضو مبتور منه يعادل خمسين رجلا وامرأة وطفلا!
لقد اخذ ابو اربعة واربعين منا اعز ما لدينا، ليس الارض والبيوت ومهود الاطفال والتوابيت، بل اخذ لعدة عقود رجاءنا، وثقتنا بانفسنا ومن سوف يأتون من بعد الطوفان الذي جرفنا!
والآن على المدين ان يسدد ديونه كلها الى الدائنين، وقد يضاف اليها الفائض او الربا، لا بالمعنى الاقتصادي المحرم في ديننا بل بذلك المعنى السياسي والتاريخي الذي يسقط سهوا من حواسيبنا وحواسيب بنوكنا ودرس الحساب في مدارسنا، لن يستمر حزيران الى ان يبلغ ارذل العمر، ويردد مع شاعرنا الحكيم بانه سئم تكاليف الهزائم ومن يعش خمسة منها لا بد ان يسأم.
يكفيه هذا العمر.. ففي الرابعة والاربعين تكتمل اقدامه العمياء، التي طالما دبت على عظام موتانا وتسللت عبر الكوابيس الى نومنا!
كفى حزيرانات كانت على التوالي شهادات ميلاد موتانا، فكل يوم من ايامه الستة اكل عقدا من اعمارنا فهل ازفت لحظة وداعه بجرار مكسورة بحيث يكون عيد ميلاده الرابع والاربعين هو شهادة وفاته؟
فماذا يريد منا وقد اكتملت اقدامه الاربعة والاربعون بعد ان اتخمت من دمنا وكبريائنا القومي وحلمنا؟؟ ( الدستور)